فُجعتُ..
يومَ سمعتُ الخبر..
مرِّ شريط طويل أمامَ عيني..
كأنني كنتُ هنا أمسِ؛ لأتلقَّى المُحاضرةَ مُسرعة قبل أن يُغلقَ الباب ..
كأنه اليوم؛ يوم أرفع يدي لأنتظر موافقته للإجابة عن الأسئلة التي يطرحُها في قاعة المُحاضرة
كأنني اليوم أجري وراءه في جنبات الطريق المُوصلة من المدرج لمكتبه، ويجيبني..
كأنِّني ما زلتُ تلك الفتاة التي لم تُرهقها الحياة بمسؤولياتها، ولم يكن في حُسبانها سوى أن تستقي عِلمًا يترعرع به ذهنها بعد جدب..

يومَ سمعتُ الخبر..
كأن بي حالةٌ من النُّكران، لا سيما أنني لم أكن هناك منذ أعوام، رغم أني أتابِعُ الأخبار، بين الفيْنة والأخرى، لكنها مُصيبَةُ المَوت، فما أقسى أن يفقد المرء أستاذًا وأبًا، بل كان في ذاكرة العمر صفحةً من أنقى صفحاته، وفي طريق العلم يدًا أخذت بيده، وكلمةً أضاءت له الطريق، وأبًا من آباء الروح ترك في القلب أثرًا لا تمحوه السنون.
لقد كان من أولئك الذين لا تنتهي صحبتهم بانتهاء المحاضرات، ولا تنقطع صلتهم بتخرّج تلاميذهم؛ لأن بعض الأساتذة إذا علّموا، تركوا في تلاميذهم شيئًا من أرواحهم.
تتلمذتُ على يديه منذ عام 2005، فقد كان يُدرِّسُ لنا محاضراتِ العروض، وقد أعلمًنا وقتها أن تلك المُحاضرات هي طَرف من كتابِه: "موسيقى الشِّعر بين الاتِّباعِ والابتِداعِ"، وكان يومها وكيلًا للكلية لشؤون الدراسات العليا، وظل أستاذًا ومعلمًا لي درستُ على يديه النحو في مُخاضرات ممُتدة طول العام، غير تلك التي تنتهي بانتهاء الفصل الدراسي كالعَروض، حتى نهاية مرحلة الليسانس عام 2009. ثم كان من جميل فضل الله عليّ، ومن دعاء والديّ الذي أرجو أن يكون قد أحاطني برحمته، أن ألتقيه مرة أخرى في عام 2011، حين درّس لنا مناهج البحث في تمهيدية الماجستير.
ولم تكن محاضراته علمًا يُلقى فحسب، بل كانت مجالس علمٍ تُحبّها النفس وتشتاق إليها. كانت روحه المرحة، وخفة ظله، وطريقته الخاصة في عرض العلم، تجعلنا لا نريد للمحاضرة أن تنتهي، ولا نكتفي بما تلقيناه منه. وكانت كلماته، على بساطتها ودفئها، تنفذ إلى القلب، حتى حُفرت في صدورنا وبقي منها في الذاكرة ما بقي من أجمل أيام الشباب.

وكان أبًا.
أبًا محبًا لأبنائه، ناصحًا لهم، حريصًا على أن يأخذ بأيديهم إلى الصواب، لا يبخل بعلم، ولا يضنّ بتوجيه.
ولئن لم يحالفني قدري أن أسجّل معه رسالتي للماجستير آنذاك، بسبب تزاحم جدوله وكثرة الرسائل التي كانت معه في ذلك العام، عام 2012، فإن الله لم يحجب عني فضله؛ فما زال يمدّني بعلمه ونصحه، منذ كتابة الخطة، إلى البحث والكتابة والتبويب، وحتى ما قبل المناقشة. وما زالت جملٌ قالها لي، وتوجيهاتٌ أسداها إليّ، ماثلةً في ذهني كأنها قيلت بالأمس.
وما أعجب أثر المعلم الصادق!
يمضي العمر، وتتبدل الوجوه، وتنقضي سنوات الدراسة، ويبتعد الإنسان عن مقاعد الجامعة، ثم يكتشف أن بعض معلميه لم يغادروا تلك المقاعد قط؛ لأنهم انتقلوا منها إلى موضع أعمق: إلى الذاكرة، وإلى الوجدان، وإلى تكوين الإنسان نفسه.
رحم الله أستاذي د. شعبان صلاح حسين رحمةً واسعة، وطيّب ثراه، وأنزل على قبره من رحماته وسكينته، وجزاه عن تلاميذه خير ما يجزي به معلّمًا عن علمه وإحسانه.
اللهم اجعل علمه الذي علّمه، ونفع به، وترك أثره في نفوس تلاميذه، علمًا ينتفع به لا ينقطع أثره أبد الدهر، واجعل كل حرفٍ علّمه، وكل نصيحةٍ أسداها، وكل عقلٍ أناره، وكل طالبٍ أعانه، في ميزان حسناته يوم يلقاك.
اللهم ارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله، واجمعنا به في مستقر رحمتك، في مقامٍ لا فراق فيه ولا موت.
اللهم اجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وكتبتْه تلميذته:
سارة حسين
27 صَفر 1448هـ
10 أغسطس 2026

التعليقات والآراء
شارك برأيك وانضم إلى الحوار
سجّل دخولك لإضافة تعليق أو الرد، أو أنشئ حسابًا جديدًا للتمتع بمزايا حفظ المشاهدة والدورات والشهادات.
جزاكم الله خيرا ورحم الله أستاذنا الكريم