عن الأستاذ الدكتور شعبان صلاح

الأستاذ المعلّم والأب الحاني

· ١٢ أغسطس ٢٠٢٦ · 4 دقائق قراءة · 191 مشاهدة
الأستاذ المعلّم والأب الحاني

الأستاذ المعلّم والأب الحاني

جانب من سيرة الأستاذ الدكتور شعبان صلاح رحمه الله

اجتمعت في أستاذنا الدكتور شعبان صلاح رحمه الله صفات العالم المهيب، والمعلّم المخلص، والأب الحاني. وكل من اقترب منه أو تتلمذ على يديه أدرك هذه المعاني بوضوح؛ فقد كنت إذا رأيته من بعيد استشعرت هيبة العلماء ووقارهم، وربما تهيبت الحديث معه، فإذا اقتربت منه وجلست بين يديه، وجدت وراء تلك الهيبة قلبًا رحيمًا، وأستاذًا ناصحًا، وعالمًا صادقًا، وأبًا حريصًا على أبنائه وطلابه.

لم يكن التعليم عنده مجرد إلقاء للمعلومات، ولا الإشراف العلمي إجراءً جامعيًّا يؤديه ثم ينصرف؛ بل كان رسالة يؤديها بأمانة، ومسؤولية يحملها بجد، وحقًّا لطلابه يحرص على الوفاء به. كان يريد لطالبه أن يتعلم حقًّا، وأن يتقن عمله، وأن يبلغ المكانة التي يرجوها مستحقًّا لها بعلمه وجهده.

وقد شرفت بالدراسة على يديه في مرحلة الليسانس؛ فدرست معه العَروض والقافية والصرف، ثم درست معه في السنة التمهيدية، وبعد ذلك سجلت تحت إشرافه رسالتي للماجستير والدكتوراه. وفي جميع هذه المراحل رأيت منه صورة الأستاذ الذي لا يداهن في العلم، ولا يجامل أحدًا على حساب الجودة والإتقان. فإذا وجد عملًا يستحق الإشادة أشاد به، وإذا رأى فيه قصورًا أو ضعفًا بيّنه بوضوح؛ لأن غايته لم تكن إرضاء الطالب بكلمات عابرة، وإنما تقويمه والارتقاء بمستواه.

ومن المواقف التي لا أنساها أنني ذهبت إليه بعد انتهائي من إحدى رسالتيَّ، وكنت أتوقع أن أسأله عن موعد المناقشة، فقلت له: يا أستاذنا، متى تكون المناقشة؟ فقال في حزم العالم وأمانة المشرف: «اترك رسالتك واذهب». لم يكن من منهجه أن يجيز عملًا قبل أن يقرأه، أو يسمح بمناقشة رسالة قبل أن يفحصها ويتأكد من استحقاقها.

وبعد أيام طلب مني أن آتي لآخذ نسخة الرسالة. فلما أخذتها وجدته قد قرأها قراءة دقيقة مستوعبة، وقلَّ أن تمر صفحة من صفحاتها إلا وله فيها تصويب أو تعليق أو ملاحظة. لم يكن يتجاوز حتى عن الأخطاء الإملائية البسيطة، بل كان يتتبعها ويصوبها، فضلًا عن الملاحظات العلمية والمنهجية واللغوية.

وفي إحدى المرات كانت ملاحظاته موزعة على نحو ثلاثين صفحة، فصوّرها جميعًا بهاتفه وأرسلها إليَّ، مع ما في ذلك من وقت وجهد ومشقة. ولو طلب مني أن آتي إليه لأتيت، لكنه آثر أن ييسر على طالبه، وأن يبلغه ملاحظاته كاملة. أما حين كانت الملاحظات ممتدة في أكثر صفحات الرسالة، التي بلغت مئات الصفحات، فقد طلب مني الحضور لأخذ النسخة والعمل عليها. وهكذا كان رحمه الله: لا يبخل بوقت، ولا يضن بجهد، ولا يتساهل في حق العلم.

وكان هذا التدقيق الشديد مظهرًا من مظاهر حنانه على طلابه، وإن بدا في ظاهره حزمًا. فالأستاذ الصادق ليس من يكثر الثناء ويجيز العمل على علاته، وإنما من يبذل وقته في التصويب والتقويم، حتى يخرج طالبه بعمل يليق به وبالعلم الذي ينتسب إليه. وكان أستاذنا يفعل ذلك حبًّا في طلابه، وحرصًا على مستقبلهم، وصيانةً للعلم من الضعف والتهاون.

ومع ما كان عليه من هيبة ووقار، فإن من جالسه واقترب منه عرف جانبًا آخر جميلًا من شخصيته؛ فقد كان صاحب دعابة رقيقة ومزاح لطيف، غير أن دعابته كانت دائمًا مغلفة بهيبة العالم ووقاره، فلا تخرجه عن سمته، ولا تنقص من مكانته. فتأنس في مجلسه، وتطمئن إلى حديثه، وتشعر أنك أمام أب عطوف يفرح بتقدم أبنائه، ويتمنى لهم الخير والنجاح.

رحم الله أستاذنا الدكتور شعبان صلاح، فقد كان أستاذًا في علمه، ومعلّمًا في منهجه، وأبًا في رحمته وحرصه. وستبقى ملاحظاته وتصويباته ونصائحه ومواقفه شواهد حية على أمانته وإخلاصه، كما ستبقى آثاره العلمية وتلاميذه الصالحون امتدادًا لعلمه وعطائه.

اللهم ارحمه رحمة واسعة، واغفر له، واجزه عن العلم وطلابه خير الجزاء، واجعل ما علّمه، وما صححه، وما بذله من وقت وجهد، علمًا نافعًا وأجرًا جاريًا في ميزان حسناته، وارفع درجته في المهديين، واجمعنا به في جنات النعيم.

→ كل المقالات مشاركة عبر واتساب