عن الأستاذ الدكتور شعبان صلاح

شعبان صلاح.. العالِم الذي أصغى إلى العربية

· ١٧ أغسطس ٢٠٢٦ · 45 دقائق قراءة · 201 مشاهدة
شعبان صلاح.. العالِم الذي أصغى إلى العربية

﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾؛ حقيقة نعلمها، ثم يفْجَؤُنا الموتُ كلما اختار من بيننا عالمًا ألفناه أو أحببناه، فيثقل الفقد؛ لأن الراحل لا يغيب بشخصه وحده، بل تطوى معه تجربة ويصمت صوت حمل من العلم والخبرة ما لا تختزنه الأوراق، وحين نعاه الناعي إليَّ شعرت بخفقة حزن مؤلمة؛ فقد كنت أتهيأ منذ مدة للكتابة عنه، وأجمع أطراف سيرته وآثاره، وكان في نفسي أن تصله الكلمات وهو على فراش المرض، فيفرح بأن ما بذله من عمره في العلم قد وجد من يقرؤه ويقدره، فإذا بالموت يسبق المقال، ويحوله من تحية حياة إلى كلمة وفاء بعد الرحيل!.. إنه الأستاذ الدكتور شعبان صلاح.


لم يكن الأستاذ الدكتور شعبان صلاح من أساتذتي المباشرين الذين جلست إليهم طالبًا، غير أن بين أهل العلم روابط لا تحتاج إلى قاعة درس؛ فقد كنت أعرف فيه عالمًا نحويًّا صرفيًّا عروضيًّا راسخًا، وصاحب نفس حرة، ولسانًا صادعًا بالحق، وخلقًا كريمًا، فلما توالت شهادات تلاميذه وزملائه ومحبيه بعد وفاته، وجدتني أقول: نعم، هو ذاك؛ فقد أكدتْ كلماتُ الناس الصورة التي استقرت في النفس من قبل، وكشفت عن أن أثره الإنساني لم يكن أقل من أثره العلمي.


غير أن الوفاء للعالم لا يكتمل بمجرد الثناء عليه، بل بقراءة ما تركه والكشف عن الخيط الذي يجمع أعماله، ومن هنا تأتي هذه الصفحات محاولة لقراءة شعبان صلاح من داخله: كيف أنصف النصَّ أمام القاعدة، وكيف راجع التراث من غير قطيعة، وجدد من داخل النظام لا خارجه، ويسر العلم من غير تسطيح، وجمع بين عقل النحوي وذائقة الشاعر وأمانة المحقق وخبرة المعلم. فإذا كان الرحيل قد حال بينه وبين قراءة المقال الذي كنت أرجو أن أهديه إليه حيًّا، فحسب هذه الكلمات أن تحاول بعد غيابه أداء بعض حقّ عالمٍ أحبَّ العربية، وخدمها عمرًا، ثم مضى وبقي الأثر.


 من دار العلوم إلى صناعة العلم.. تكوين العالم ومسيرته

وُلد الأستاذ الدكتور شعبان صلاح حسين في المحلة الكبرى بمحافظة الغربية في العاشر من يونيو سنة 1948م، ثم مضت به رحلته إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، تلك الدار التي ستصبح بعد ذلك موطنَ تكوينه العلمي وميدان عطائه الأكبر؛ حيث تخرج فيها سنة 1972م حاصلًا على ليسانس اللغة العربية والعلوم الإسلامية بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وفي العام نفسه عُيِّن معيدًا بقسم النحو والصرف والعروض، ثم حصل على الماجستير سنة 1975م بتقدير ممتاز، والدكتوراه سنة 1978م بمرتبة الشرف الأولى، وهكذا تكشف السنوات الست الفاصلة بين التخرج والدكتوراه عن مسار مبكر شديد التماسك: طالب متفوق، فمعيد، فباحث متخصص، فمدرس في القسم نفسه، قبل أن تتسع تجربته ويترسخ اسمه في الدرس اللغوي العربي.


ولعل الأهم من سرعة هذا المسار أن رسالتيه للماجستير والدكتوراه تكشفان، منذ البداية، عن السؤالين اللذين سيظلان حاضرين في مشروعه العلمي؛ حيث جاءت الماجستير بعنوان "الجملة الوصفية في النحو العربي" بإشراف العلامة الأستاذ الدكتور تمام حسان، وفيها لم يكتف باستعادة التقسيم الموروث للجملة وأقسام الكلم، بل ساءل قدرة ذلك التقسيم على استيعاب الاستعمال العربي، واقترح للجملة الوصفية استقلالًا يقوم على خصائصها التركيبية والدلالية، مستفيدًا من نظرية القرائن ومن النظر الوظيفي الذي كان تمام حسان أحد أبرز رواده، ثم جاءت الدكتوراه بعنوان "مواقف النحاة من القراءات القرآنية حتى نهاية القرن الرابع الهجري" لتطرح سؤالًا أشد اتصالًا بأصول الصناعة النحوية نفسها: أيهما ينبغي أن يُحاكَم إلى الآخر؛ النص العربي الموثوق أم القاعدة المستنبطة منه؟ وكان جوابه الذي ستؤكده أعماله اللاحقة واضحًا: لا يجوز أن تصبح القاعدة، وهي ثمرة الاستقراء، سيفًا يُسلَّط على النص الصحيح فيُضعَّف أو يُخطَّأ لأنه لم يوافق قياسًا وضعه النحاة، وهكذا اجتمع في بداياته العلمية سؤال كفاية النموذج النحوي وسؤال سلطة الشاهد على القاعدة، وهما مفتاحان صالحان لقراءة جانب كبير من تراثه كله.


أفاد شعبان صلاح من أستاذه تمام حسان، لكنه لم يتحول إلى نسخة منه؛ فقد قادته تجربتُه البحثية إلى اتصال أوسع بالمصادر الأصلية، يقرأ سيبويه والأخفش والزجاج وابن جني وغيرهم من كتبهم، ويختبر ما نُسب إليهم بما قالوه هم، لا بما تناقلته عنهم الكتب المتأخرة، وربما كان هذا من أجمل سمات تكوينه: أنه لم يجعل الحداثة بديلًا من التراث، ولا التراث حجابًا عن المراجعة؛ بل تعلم من المناهج الحديثة كيف يُعيد السؤال، ومن المصادر القديمة كيف يتحقق من الجواب؛ ولهذا لم تكن مراجعاته تمردًا على الموروث بقدر ما كانت عودة إليه من أبوابه الأولى، ولم يكن تجدُيده رغبة في المخالفة، وإنما بحثًا عما يفسر اللغة كما نطقت بها العرب وكما حفظها القرآن والشعر.


وظلت دار العلوم المحور الأكبر في هذه الرحلة؛ ففيها بدأ معيدًا سنة 1972م، وتدرج حتى نال الأستاذية سنة 1991م، ثم أصبح أستاذًا متفرغًا سنة 2008م؛ وبين البدايتين لم يكن مدرسًا وباحثًا فحسب، بل شارك في صناعة المؤسسة العلمية نفسها: رأس قسم النحو والصرف والعروض، وأدار مركز التدريب اللغوي، وتولى وكالة الكلية للدراسات العليا والبحوث، ورأس تحرير مجلة كلية دار العلوم، وشارك في اللجنة العلمية الدائمة لترقية أساتذة اللغة العربية، فضلًا عن إشرافه على عشرات الرسائل ومناقشته أجيالًا من الباحثين، وبهذا المعنى لم تكن دار العلوم عنوانًا وظيفيًّا في سيرته، وإنما كانت هوية علمية: دخلها طالبًا يتلقى تراث العربية، وأقام فيها أستاذًا يصنع درسها، ثم غدا واحدًا ممن يشاركون في تقويم بحوثها، وترقية علمائها، وتكوين أجيالها.


ولم ينحصر أثره داخل أسوار جامعة القاهرة؛ فقد حمل تجربته إلى جامعة صنعاء، ثم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم جامعة أم القرى بمكة المكرمة، واتسعت مشاركاته بعد ذلك في مناقشة الرسائل وتحكيم البحوث والمؤلفات ولجان الترقيات في عدد من الجامعات والمؤسسات العلمية العربية، من السعودية والكويت إلى الإمارات والعراق وغيرها، وتكشف هذه الجغرافيا الأكاديمية عن عالم لم يبق أثره حبيس مؤسسة واحدة، بل تحرك في فضاء عربي واسع، معلّمًا ومحكّمًا ومناقشًا ومقومًا للبحث العلمي.


غير أن السيرة الوظيفية، مهما ازدحمت بالمناصب والجامعات والسنوات، لا تكشف شعبان صلاح كلَّه؛ فالعالم لا يُعرف حقًّا بالكرسي الذي جلس عليه، وإنما بالسؤال الذي شغله، والمنهج الذي اختاره، والكتاب الذي أبقاه، والتلميذ الذي كوّنه، والأثر الذي تركه في مسيرة العلم؛ ولهذا ينبغي أن نغادر الآن سجل الوظائف إلى ما هو أبقى منها: أن ندخل إلى عالم شعبان صلاح من كتبه نفسها، لنرى كيف كان يقرأ العربية، وكيف يحاكم القاعدة إلى النص، وكيف يجمع بين الوفاء للتراث والحرية المنضبطة للنظر فيه.


القرآن والقراءات في قلب الدرس النحوي.. حين تُحاكَم القاعدة إلى النص

إذا أردنا أن نفتش عن أرسخ الأصول التي حكمت عقل شعبان صلاح النحوي، فربما كان أولها إيمانه بأن اللغة أصلٌ والقاعدة وصفٌ لها، وأن الشاهد الموثوق لا يُردُّ لأن صناعةً نحويةً لاحقة ضاقت به، وهذه الفكرة لم تعرض له في أواخر حياته، بل كانت في صميم أطروحته للدكتوراه سنة 1978م، "مواقف النحاة من القراءات القرآنية حتى نهاية القرن الرابع الهجري"، ثم ظلت تتردد في دراساته اللاحقة عن الزمخشري والقراءات، والشواهد القرآنية في لسان العرب، وفي كتبه الصرفية والنحوية، ومن ثم لم تكن القراءات عنده بابًا فرعيًّا من أبواب الاستشهاد، وإنما كانت ميدانًا اختبر فيه سؤالًا منهجيًّا بالغ الخطورة: أتصنع النصوصُ القواعدَ، أم تصنع القواعدُ للنصوص مشروعية وجودها؟


وكان جوابه حاسمًا في جوهره: القراءة الثابتة لا ينبغي أن تقف متهمةً أمام القياس النحوي؛ لأن القياس نفسه إنما نشأ من استقراء كلام العرب؛ ولهذا انتقد أولئك الذين بلغ بهم سلطان القاعدة أن يضعّفوا قراءة، أو يخطّئوا قارئًا، أو يلجؤوا إلى تأويل بعيد لمجرد أن الشاهد القرآني لم يجر على ما استقر في صناعتهم، والعبارة التي تنتظم هذا الموقف في كتبه هي أن "القراءة سنة متبعة"؛ ولذلك كان يرى أن ورود الظاهرة في القراءة المعتبرة شاهد على عربيتها وفصاحتها، لا مأخذًا عليها، وهنا تظهر إحدى خصاله العلمية الكبرى: لم يكن دفاعه عن القراءات دفاعًا وجدانيًّا مجردًا، بل دفاعًا منهجيًّا؛ فالقاعدة المستنبطة من الشواهد لا يصح، في منطق البحث نفسه، أن تنقلب بعد اكتمالها حاكمًا يستبعد بعض الشواهد التي كان ينبغي أن تسهم في بنائها.


ولهذا أعاد في كتابه النظر في تاريخ العلاقة بين النحاة والقراءات، وميز بين اتجاهين: اتجاهٍ أقرب إلى التسليم بالسماع واحترام الرواية، مثّله عنده عدد من المتقدمين كالخليل والسيرافي وابن فارس، واتجاهٍ غلب عليه القياس حتى ورد عن بعض أصحابه ردُّ قراءات أو تضعيفها، ولم يكن غرضه أن ينتصر لمدرسة على أخرى، بقدر ما أراد تصحيح ترتيب الأدلة في صناعة النحو: السماع الصحيح سابق على القياس، والقياس خادم له وكاشف عن نظامه، لا سلطة فوقه، وتزداد دلالة هذا الموقف حين نراه يعود في بحثه "الزمخشري والقراءات" إلى الكشاف نفسه، ويتتبع أحكام صاحبه على القراء والقراءات، كاشفًا ما رآه من اضطراب في الموقف حين تتدخل المقدماتُ النحوية أو المذهبية في تقويم النص المقروء.


ولم يبق هذا الأصل حبيس البحث النظري، بل تسرب إلى طريقته في تدريس الصرف والنحو؛ ففي كتابه: "الإعلال والإبدال في الكلمة العربية" كان يستدعي القراءاتِ لتفسير التحولات الصوتية والصرفية، ويرفض أن يُجعل القياس الصرفي ذريعة إلى تلحين قراءة ثبتت روايتها؛ وفي "تصريف الأفعال"و"تصريف الأسماء" تتجاور القاعدة مع الشاهد القرآني، فلا يبدو القرآن زينة توضع بعد تقرير الحكم، وإنما مادة لغوية حية تكشف إمكانات العربية ووجوه تصرفها، وهكذا تجاوزت عنايته بالقراءات مجرد الدفاع عنها إلى الإفادة منها في إعادة ضبط مفهوم الفصيح نفسه: فالفصيح ليس فقط ما وافق الصورة الأشهر التي انتهت إليها كتبُ القواعد، بل ما ثبت عن العرب بطريق معتبر، وإن كان قليلًا أو مخالفًا للقياس الغالب.


وتكشف هذه القضية كذلك عن سمة ستظهر معنا مرارًا في مؤلفاته: شجاعته في مراجعة الموروث من داخل الموروث نفسه، وهذه – لَعَمْرُ اللهِ – سمةُ الراسخين في العلم؛ فهو لم يكن ممن يرفعون شعار التجديد ثم يستغنون به عن المصادر، بل كان أكثر ما يشتد نقده حين تكون الحجة بين يديه من النصوص الأصلية؛ لذلك كان مشروعه، في أحد وجوهه، محاولةً دائمة لإعادة الأشياء إلى مراتبها: النص قبل القاعدة، والسماع قبل القياس، والمصدر الأصلي قبل النقل عنه، والاستعمال قبل الافتراض، وبذلك لم يكن انتصاره للقراءات قضيةً جزئية في تاريخ النحو، بل كان إعلانًا مبكرًا عن أخلاق منهجه العلمي كله: أن يُنصت الباحث إلى العربية قبل أن يتكلم باسمها، وأن يراجع القاعدة إذا ضاقت بالنص، بدل أن يضيّق النص حتى يدخل في القاعدة.


 الأصل قبل النقل.. المراجعة العلمية وأخلاق التثبت

لم يكن التثبت عند الأستاذ الدكتور شعبان صلاح إجراءً توثيقيًّا يأتي بعد اكتمال البحث، بل كان جزءًا من طريقة التفكير نفسها؛ إذ أدرك مبكرًا أن أخطر ما يصيب تاريخ الأفكار أن تتحول الرواية عن العالم، مع كثرة تداولها، إلى بديل عن كلام العالم نفسه، ثم تُبنى عليها الأحكام وتُنسج حولها التصنيفات؛ ولهذا يمكن اختزال جانب أصيل من منهجه في انتقال بالغ الدلالة: من الرواية عن العالم إلى استنطاق العالم نفسه؛ فلا يكفي أن يقول المتأخرون: قال الأخفش أو ذهب الزجاج؛ وإنما ينبغي، ما دام كتاب الرجل قائمًا بين أيدينا، أن نعود إليه ونسأله عما قال، وفي أي سياق قاله، وهل تحتمل عبارته حقًّا ما نُسب إليه.


ويكاد عنوان كتابه "الجملة الاسمية عند الأخفش الأوسط بين أقواله في معاني القرآن وروايات العلماء عنه" أن يكون بيانًا منهجيًّا كاملًا في هذا الباب؛ فالمقابلة بين "أقواله" و"روايات العلماء عنه" ليست اختيارًا لفظيًّا عاديًّا، وإنما تكشف طبيعة المشكلة التي أراد فحصها، فلقد وجد أن صورة الأخفش في بعض كتب النحاة لا تطابق دائمًا ما يقرره الأخفش في معاني القرآن، فذهب إلى الأصل، وقابل المنقول بالمنصوص، وكشف عن آراء شاع نسبتها إليه مع أن نصوصه لا تسعف تلك النسبة، أو تحتاج على الأقل إلى إعادة نظر في فهمها. وتكرر المنهج نفسه في "من آراء الزجاج النحوية.. قراءة في معاني القرآن وإعرابه"؛ فالعنوان مرة أخرى يقول الكثير: إنها "قراءة في" كتاب الزجاج نفسه، لا تجميع لما قيل عنه، وهكذا كان يرجع بالرأي إلى صاحبه، وبالنسبة إلى مظانها، وبالحكم إلى بينته؛ كأنما كان يقول للباحث من خلال ممارسته: لا تجعل كثرة الناقلين حجابًا بينك وبين الأصل.


وتبلغ هذه الخصلة مداها في عمله محققًا للتراث؛ فقد ترك سبعة كتب محققة، ستة منها انفرد بتحقيقها وشارك في السابع، تمتد موضوعاتها من العروض والقافية والنحو إلى إعجاز القرآن وتصحيح لغة العامة، ويصلح "شفاء الغليل في علم الخليل" لمحمد بن علي المحلي أن يكون شاهدًا كاشفًا عن صناعته في هذا الفن؛ إذ أقام تحقيقه على ثلاث نسخ مخطوطة بالغة القيمة، اثنتان منها بخط المؤلف نفسه، والثالثة نُسخت في حياته وقُرئت عليه، ولم يقف عمله عند مقابلة النسخ وإثبات الفروق، بل خرّج الشواهد، ونسب الشعر إلى قائليه، ونبه إلى الشواهد المصنوعة للتعليم، وضبط المصطلحات، وألحق بالنص ما يعين على الانتفاع به من الفهارس والبيانات.


لقد كان يريد للنص التراثي أن يعود صحيحَ النسبة واللفظ، لكنه كان يريد له كذلك أن يعود حيًّا مقروءًا مفهومًا؛ ولذلك يصح أن نقول: كان شعبان صلاح يحمل عقل المعلّم حتى وهو يحقق التراث؛ فلا يكفيه أن يصح النص، بل يَعنيه أيضًا أن يصبحَ النصُّ قابلًا للفهم والاستعمال.


واللافت أن هذا الاحتياط لم يكن مقصورًا على المخطوط؛ فالمطبوع عنده لا يكتسب العصمة لمجرد انتقاله إلى المطبعة؛ ففي "شعر أبي تمام: دراسة نحوية" اتخذ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي مادة لدراسته، لكنه لم يُسلّم للنشرة التي بين يديه، وإنما أخضعها لخبرته النحوية والعروضية، فكشف ما رآه من تحريف في بعض المواضع، واضطراب في ضبط القوافي، وتحديد البحور والأضرب، ونسبة بعض الأبيات، وهذا مهم في فهم شخصيته البحثية؛ لأن المحقق عنده لم يكن مجرد جامع للفروق بين النسخ، وإنما كان قارئًا خبيرًا يستطيع أن يشك حين توجد قرينة تستدعي الشك، ثم يبحث حتى يحوله إلى حكم مؤسس على الدليل.


وأجمل من ذلك كله ما صنعه في دراسته "التجديد في أوزان الشعر عند ابن الفرخان"؛ فقد بدأ معتمدًا على نشرة مطبوعة لكتاب الإبداع في العروض، ثم وقف على نقد الدكتور عمر خلوف لهذه النشرة وما كشفه فيها من تصحيف وتحريف؛ فلم تمنعه مكانته العلمية، ولا كون البحث قد قطع شوطًا في الإعداد، من مراجعة مادته وتصحيح شواهده والإفادة من التنبيهات الجديدة، ثم نسبة الفضل إلى صاحبه، وهذه الواقعة الصغيرة في ظاهرها كبيرة في دلالتها؛ لأن العالم الحق لا يرى الرجوع إلى الصواب هزيمة، ولا الاعتراف بفائدة تلقاها من غيره انتقاصًا من قدره، وقد كان يستطيع أن يصمت لكنه أثبت الفضل، وكان يستطيع أن يتمسك بما كتب لكنه راجع وصحح، وهنا ينتقل التثبت من مهارة بحثية إلى خُلُق معرفي: أمانة في الأخذ، وشجاعة في المراجعة، وإنصاف لمن نبه، وتواضع أمام الحقيقة.


لهذا لم يكن توقير شعبان صلاح للتراث تسليمًا بكل ما نُقل فيه، كما لم تكن جرأته في نقده رغبةً في هدمه أو مهاجمته، بل كان يعرف التراث من داخله، ويصحب كتبه صحبة المختص؛ ولذلك اكتسب حق السؤال والمراجعة، فالأصل عنده قبل النقل، والنص قبل النسبة، والدليل قبل الشهرة، والصواب أكبر من الباحث ومن الكتاب ومن الطبعة، وتلك ليست قواعد في تحقيق المخطوطات وحدها، وإنما أخلاقُ عالمٍ عَرَفَ أن الوفاء للتراث لا يكون بتكرار ما قيل عنه، بل بأن نقرأه جيدًا؛ وأن احترام العلماء لا يكون بتقديس ما نُسب إليهم، بل بأن ننصفهم مما نُسب إليهم بغير حق.


 الحرية داخل النظام.. فلسفة التجديد من النحو إلى العروض

لم يكن التجديد طارئًا على مشروع شعبان صلاح، ولا نزعةً استيقظت لديه متأخرة حين اتجه إلى موسيقى الشعر؛ بل يمكن العثور على بذوره في أول أعماله الأكاديمية الكبرى؛ ففي "الجملة الوصفية في النحو العربي" لم يرضَ بأن تظل الصفة محصورة بين تفسير البصريين لها بوصفها من الأسماء، وتفسير الكوفيين لبعضها بوصفه «الفعل الدائم»، وإنما أعاد فحص خصائصها الصرفية والتركيبية والدلالية، وانتهى إلى اقتراحها قسمًا متميزًا، كما دعا إلى الاعتراف بـ "الجملة الوصفية" نمطًا قائمًا إلى جانب الجملة الاسمية والفعلية والظرفية والشرطية، واستعاض عن بعض تصورات «النقل» بفكرة أرحب هي "تعدد المعنى الوظيفي"، والدلالة الأبعد لهذه الاختيارات أن الباحث الشاب لم يكن يرى العلم قائمة أجوبة يختار أحدها، بل شبكة أسئلة يجوز إعادة بنائها؛ ولذلك لا يكتفي بالمفاضلة بين المذاهب، بل يعيد تركيب المسألة من أصولها متى رأى أن الاستعمال اللغوي أوسع من التصنيف الموروث.


غير أن هذه النزعة بلغت تمام نضجها في واحد من أهم كتبه وأدلها على شخصيته، "موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع"؛ حتى ليكاد عنوانه نفسه يلخص فلسفته: لا اتباع يلغي الابتداع، ولا ابتداع يستغني عن الاتباع؛ ففي «موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع» تتجلى فلسفة شعبان صلاح العلمية بأوضح صورها؛ فهو لا يقدس النظام حتى يجمده، ولا يفتح باب التجديد حتى يبدده، وإنما يعود إلى الاستعمال والذوق والتاريخ ليختبر بها صحة التقسيم والمصطلح والحكم، وبذلك يصبح الخليل عنده أصلًا يُفهم ويُبنى عليه، لا حدًّا يقف عنده الشعر، ويصبح التجديد امتدادًا لقدرة العربية على الابتكار من داخل موسيقاها، لا قطيعة معها؛ ولذلك لم يتردد في مراجعة بعض الحدود التي استقرت في الصناعة العروضية حين لا يجد لها من الفروق السمعية ما يوازي تضخمها الاصطلاحي؛ فيلفت إلى التقارب الإيقاعي بين الهزج ومجزوء الوافر المعصوب، ويعيد الاعتبار إلى المتدارك وما كشف عنه الشعر الحديث من طاقته الإيقاعية، ويتتبع الصور المستحدثة في المشطور والمجزوء والأضرب، ويمد النظر من القصيدة الموروثة إلى الموشح والشعر الحديث وشعر التفعيلة .. كان الميزان في ذلك كله أذنًا خبيرةً يضبطها العلم، وعلمًا حيًّا يصححه الاستعمال.


ومن أجمل ما يكشف عن دقة موقفه أنه، مع هذا الانفتاح، لم يمنح كل جديد شهادة الشرعية لمجرد أنه جديد، ففي دراسته "التجديد في أوزان الشعر عند ابن الفرخان" وضع الابتداع نفسه تحت الاختبار؛ فتتبع ستًّا وثلاثين صورة اقترحها ابن الفرخان في الأبحر المشهورة، ورد بعضها إلى سوابق عند الأخفش والزجاج والجوهري وابن القطاع والزمخشري وغيرهم، ورأى في بعضها الآخر أثرًا واضحًا للعروض الفارسي، ولا سيما التوسع في الأوزان المثمنة، ثم كشف الفارق المنهجي بين وزنٍ يولد من الشعر ويثبته الاستعمال، ووزنٍ يمكن توليده نظريًّا من الاحتمالات الرياضية للتفاعيل؛ ولذلك انتهى إلى أن القوالب المفترضة الناتجة عن تقليد عروض غير عربي أو عن التقسيم الرياضي لإمكانات التفاعيل لا تكفي وحدها لإثبات الوزن؛ فالذائقة والاستعمال شاهدان لا يستغني عنهما التنظير، ويمكن تلخيص منطقه كله في كلمتين: الاستعمال قبل الإمكان؛ فليس كل ما يمكن تركيبه عروضًا مما ينبغي أن يصير بحرًا في شعر العربية.


وهنا يظهر الفارق الدقيق بين التجديد والانفلات في فكره؛ فلم يكن التجديد عند شعبان صلاح مرادفًا لكسر النظام، وإنما كان اختبارًا لقدرة النظام نفسه على الاتساع دون أن يفقد هويته؛ ولهذا قبل شعر التفعيلة من داخل أصول الموسيقى العربية، ورأى فيه امتدادًا لإمكانات إيقاعية عرف الشعر بعض مقدماتها من قبل، لكنه لم يقبل أن يتحول اسم الحداثة إلى مسوغ لكسر الوزن وفقدان الحس الموسيقي، كما لم يتعامل مع الدوائر والبحور والزحافات والعلل وكأن أسماءها هي الحقائق ذاتها؛ فالظاهرة الموسيقية سابقة على المصطلح الذي يصفها، وإذا تضخم الاصطلاح حتى حجب وحدة النغم أو صنع فروقًا لا تكاد الأذن تدركها، وجبت مراجعته، وبعبارة تلخص هذا الجانب من منهجه: المصطلح عنده خادم للظاهرة، لا حاكم عليها.


وهكذا يمتد خيط واحد من "الجملة الوصفية" إلى "موسيقى الشعر" ثم إلى دراسته لابن الفرخان: احترام للنظام مع رفض تحويله إلى قيد، وجرأة على المراجعة مع رفض أن تصبح الجرأة فوضى، وإنصات للاستعمال مع قدرة على التنظير له، إنها، في أدق عبارة، حرية داخل النظام: حرية العالم الذي يعرف الحدود معرفةً عميقة، ولذلك يعرف أين تكون الحدود حقيقية يجب صونها، وأين تكون مجرد أسوار اصطلاحية يجوز تجاوزها، وربما لهذا استطاع شعبان صلاح أن يكون تراثيّ الأدوات من غير جمود، وتجديديَّ النظر من غير قطيعة؛ يختلف مع الخليل ولا يستغني عنه، ويتجاوز التقسيم ولا يهدم العلم، ويفتح للنص أبواب الحركة من غير أن يخرجه من بيته العربي.


 من الحكم إلى التفسير.. الوظيفة والتعليل في الدرس اللغوي

لم يكن شعبان صلاح من أصحاب الدرس اللغوي الذي يكتفي بأن يقول للطالب: هذه قاعدة فاحفظها، وهذا حكم فقف عنده؛ بل كان مشغولًا بالسؤال الذي يأتي بعد الحكم، وربما كان أهم منه في صناعة الملكة: لماذا حدث هذا؟ ويكشف كتابه "الإعلال والإبدال في الكلمة العربية" هذا المنزع بجلاء؛ فالقلب والحذف والنقل والإسكان ليست عنده قائمةً من التحولات الصرفية الصماء، وإنما ظواهر ينبغي ردها إلى عللها الصوتية: التناسب بين الأصوات، والاستثقال، والتخفيف، والتخلص من التقاء الساكنين، ومراعاة الانسجام في بنية الكلمة، وحين يفسر نقل حركة حرف العلة إلى الصحيح الساكن قبله، أو قلب الواو والياء، أو حذف بعض الأصوات، فإنه لا يريد من الدارس أن يعرف ما وقع فحسب، بل أن يفهم لِمَ وقع، وبهذا كان شعبان صلاح يميل إلى تحويل القاعدة من محفوظ إلى مفهوم، ومن حكم إلى تفسير؛ لأن العلم عنده لا يكتمل بمعرفة الصورة النهائية للكلمة، وإنما بمعرفة الطريق الذي أوصلها إلى تلك الصورة.


ويتصل بذلك انتقاله الدائم من الشكل إلى الوظيفة؛ ففي الجملة الوصفية لم يكن كافيًا لديه أن نضع "اسم الفاعل" أو "اسم المفعول" أو "الصفة المشبهة" في خانة صرفية ثم ننصرف، وإنما تتغير قيمة الصيغة بما تؤديه داخل التركيب؛ ولهذا كان مفهومه "تعدد المعنى الوظيفي" معبرًا عن جانب أصيل في رؤيته: قد تؤدي الصفات وظائف الأسماء، وقد تقوم بعض الأسماء والجامدات بوظائف الصفات، وقد تتبادل الصيغ الوصفية وظائفها، ويبقى السياق والقرائن هما الكاشفين عن الوظيفة التي نهضت بها البنية في موضعها، ثم عاد هذا السؤال في كتابه "أبنية المشتقات ووظائفها في شعر الأعشى"، وعنوان الكتاب نفسه بالغ الدلالة: "الأبنية" و"الوظائف" معًا؛ فلا قيمة كافية لإحصاء الصيغ ما لم نسأل عن عملها في النص، فكان ينتقل، بعبارة موجزة، من سؤال: ما هذه الصيغة؟ إلى سؤال: ماذا تفعل هذه الصيغة في السياق؟


وتتضح خصوبة هذا المنهج أكثر في "شعر أبي تمام.. دراسة نحوية"؛ إذ لم ينظر إلى ما خرج في شعر أبي تمام عن الشائع بوصفه مجموعة مخالفات تُحصى ثم توصف بـ "الضرورة الشعرية"، وإنما حاول تفسيرها من مستويات متضافرة؛ فهناك الصوت حين تُقطع همزة الوصل أو تُمطل الحركة، والصرف حين تتغير الأبنية أو تشتق الأفعال من أسماء الذوات، والنحو حين تتبدل بعض العلاقات التركيبية، واللهجة حين تظهر آثار طيئ أو تميم وغيرها، والعروض حين يفرض الوزن بعض إمكاناته، والبلاغة حين يخدم الاختيار غرضًا دلاليًّا أو إيقاعيًّا؛ ومن ثم انتهى إلى معنى أدق من مجرد إثبات «خروج» أبي تمام على المألوف: أن كثيرًا من ذلك الخروج يجد تفسيره في لغة الشعر واتساع العربية وتعدد لهجاتها وما تتيحه من إمكانات، فلقد كان -رحمه الله- يميل إلى التفسير المركب للظاهرة، ولا يطمئن إلى ردها إلى سبب واحد متى كانت بنيتها تستدعي أكثر من مستوى.


ومن اللافت أن تصوره لموقع علم الصرف نفسه ينسجم مع هذه الرؤية؛ ففي "تصريف الأفعال في اللغة العربية" يضع الصرف في منزلة وسطى بين علم الأصوات وعلم النحو: فالصوت يدخل في تشكيل بنية الكلمة، والكلمة بعد اكتمال بنيتها تدخل في التركيب؛ ولهذا لم يعرض الزيادة في الأفعال باعتبارها أحرفًا تلحق بالأصل وحسب، بل ربطها بما تُحدثه من معانٍ ووظائفَ، كالتعدية والصيرورة والسلب والتعريض والمطاوعة، كما درس التعدي واللزوم والإسناد والبناء للمجهول في اتصال ببنية الفعل وما يترتب عليها من أثر في الجملة، ويؤكد "تصريف الأسماء" الاتجاه نفسه في دراسته للمصادر والمشتقات والتثنية والجمع والتصغير والنسب؛ فالتصريف حركة في المبنى تتصل، بدرجات متفاوتة، بحركة في المعنى والوظيفة.


ولذلك يصعب، عند قراءة شعبان صلاح، أن نفصل النحو عن الصرف فصلًا حادًّا، أو نعزل كليهما عن الصوت والقراءات والشعر والعروض والسياق؛ فقد كانت هذه العلوم لديه شبكةً تفسيرية تتساند أطرافها: الصوت يفسر الصيغة، والصيغة تتهيأ للوظيفة، والوظيفة يكشفها السياق، واللهجة توسع دائرة الممكن، والعروض يضيء ما يقع في الشعر، والنص الموثوق يراجع القاعدة إذا قصرت عنه، وربما كانت هذه إحدى ثمار تكوينه الدرعمّي الموسوعي: أنه لم ير الكلمة جزيرة، ولا الجملة جزيرة، ولا علوم العربية جزرًا متباعدة؛ بل رأى اللغة كائنًا واحدًا، لا يُفهم جزء منه حق الفهم إلا حين يوضع في مكانه من الكل.


 شعبان صلاح الذي أعاد هندسة العلم.. فلسفة التعليم وبناء الملكة

لم يكن التعليم في حياة الأستاذ الدكتور شعبان صلاح عملًا موازيًا للبحث والتأليف، ولا واجبًا جامعيًّا يؤديه ثم يعود إلى "مشروعه العلمي"؛ لأن التعليم نفسه كان جزءًا من ذلك المشروع. ويكفي أن نضع إلى جوار بحوثه المتخصصة كتبًا مثل "الإعلال والإبدال في الكلمة العربية"، و"تصريف الأفعال في اللغة العربية"، و"تصريف الأسماء في اللغة العربية"، و"محاضرات في علم النحو"، و"المفيد في وزن القصيد"، لندرك أننا أمام عالم كان يفكر في العلم مرتين: مرةً وهو ينتجه ويحرره، ومرةً وهو يسأل كيف يصل به إلى عقل المتعلم من أقصر طريق وأقومه؛ ولهذا لم يكن التيسير عند شعبان صلاح اختصارًا للعلم، وإنما إعادة بناء للعلم بحسب حاجة المتعلم؛ يحذف ما يشتت، ويقدم ما يؤسس، ويرتب ما تفرق، ويستبقي من الخلاف بقدر ما يخدم الفهم، فلا يثقل المبتدئ بما لا يحتاج إليه، ولا يقدم له العلم مبتورًا بحجة التبسيط.


وهذه نقطة دقيقة في شخصيته؛ فقد كان يعرف الفرق بين كتاب التعليم وكتاب البحث؛ ففي كتبه التعليمية يتعمد تنقية المادة من الشواذ الخاملة، والافتراضات المتكلفة، والخلافات التي لا تزيد المبتدئ إلا حيرة، ويختار الأوضح والأرجح والأكثر استعمالًا، ويكثر من الأمثلة والجداول والتطبيقات، أما حين يدخل ميدان البحث المتخصص، كما في دراسته لابن الفرخان، فإنه يطارد الصور النادرة، ويقارن الاحتمالات، ويرجع إلى السابقين، ويفحص ستًّا وثلاثين صورة عروضية صورةً صورة، ويبحث عن أثر العروض الفارسي وعن السوابق التراثية وعن الفروق بين الاستقراء والتوليد النظري، فليست المسألة إذن ميلًا دائمًا إلى الاختصار أو إلى التفصيل؛ بل وعيٌ بمقام المعرفة ومخاطَبها، كان يعرف متى يتحدث بلسان الباحث إلى الباحثين، ومتى يتحدث بلسان المعلم إلى المتعلمين، وهي ملكة لا تقل قيمة عن امتلاك المادة العلمية نفسها.


ولعل كتابه "المفيد في وزن القصيد" أجلى نموذج لهذه الفلسفة؛ فالكتاب لم يولد ابتداءً من رغبة في إضافة مصنف آخر إلى كتب العروض، وإنما خرج من خبرة الدورات التدريبية التي أقامتها كلية دار العلوم سنواتٍ لتعليم موسيقى الشعر للراغبين والشادِين، وكان أمام صاحبه تراث عروضي كامل، وكان له هو نفسه كتابه الأوسع "موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع"؛ لكنه أدرك أن ما يحتاج إليه الباحث في قضايا التجديد ليس هو ما يحتاج إليه من يضع قدمه أول مرة على طريق الوزن؛ ولذلك أعاد ترتيب المادة نفسها وفق منطق المتعلم: لم يبدأ بالدوائر العروضية وترتيب البحور الموروث، وإنما قدم البحور ذات التفعيلة المتكررة الواحدة كالوافر والكامل، ثم انتقل إلى البحور المركبة من تفعيلتين؛ لأن إدراك النغمة الواحدة المتكررة أيسر على الأذن المبتدئة من إدراك النمط المركب، وهذه ليست حيلة في العرض فحسب، بل تحول من ترتيب المعرفة إلى ترتيب اكتساب المعرفة؛ أو بعبارة أدق: انتقل من منطق العلم كما بُني تاريخيًّا إلى منطق العلم كما ينبغي أن يُتعلَّم.


ولهذا كانت كتبه التعليمية كثيرة العناية بالتطبيق؛ ففي العروض يعلّم الكتابة العروضية، ويفكك البيت، ويرمزه، ويقطعه، ويجمع للطالب الزحافات والعلل في صور منظمة، ولا يحصر شواهده في الشعر القديم، بل يستدعي أحمد شوقي وإبراهيم ناجي والشابي والعقاد ونزار قباني وبدر شاكر السياب وغيرهم، ويستشهد أحيانًا من شعره هو؛ ليظل الوزن صوتًا مسموعًا لا رسمًا محفوظًا، وفي الصرف يرد الصورة إلى أصلها، ويتتبع مراحل تحولها، ويعلل القلب والنقل والحذف، ويكثر من الشواهد القرآنية؛ وفي النحو يقدم في "محاضرات في علم النحو" أبواب الفاعل ونائب الفاعل والمنصوبات والمجرورات والتوابع في بناء متدرج، بعيدًا عن استنزاف الطالب في شواذ المسائل وفضول الخلاف، وهكذا تتحول المعرفة في كتبه من معلومة إلى مثال، ومن مثال إلى تدريب، ومن تدريب إلى قدرة؛ وتلك هي المسافة الفاصلة بين من يعلّم الطالب أحكام العلم ومن يبني فيه ملكة العلم.


ومن هذه الزاوية نفهم كذلك لماذا لم تكن قاعة الدرس عنده مكانًا لتنزيل الكتب على الطلاب، بل كانت، في جانب منها، معملًا يختبر فيه صلاحية بناء المعرفة للمتعلم؛ فـالمفيد في وزن القصيد ثمرة خبرة تدريبية ممتدة، وكتبه في التصريف ثمرة معاشرة طويلة لمواطن الصعوبة في هذا العلم، واختياره في الإعلال والإبدال أن يقدم مادة «ميسرة معللة» يكشف وعيًا بأن المشكلة ليست دائمًا في صعوبة العلم ذاته، وإنما قد تكون في الطريقة التي أعيد بها تنظيمه وعرضه، فقد كان المعلم داخله يسأل باستمرار: ما الذي يحتاج الطالب إلى معرفته أولًا؟ وما الذي يمكن تأخيره؟ وما الذي لا ينبغي أن يشغل به الآن؟ وكيف تتحول القاعدة التي يسمعها إلى أداة يستطيع أن يعمل بها وحده؟


وحين نجمع هذه الخيوط تتبين أمامنا ملامح مشروع تعليمي متكامل: للنحو محاضرات في علم النحو، ولصرف الكلمة الإعلال والإبدال وتصريف الأفعال وتصريف الأسماء، ولموسيقى الشعر المفيد في وزن القصيد، ثم تأتي إدارته مركز التدريب اللغوي بكلية دار العلوم لتصل الكتاب بالممارسة والمؤسسة، ولم يكن غريبًا، بعد ذلك، أن يشرف على عشرات الرسائل، وأن تمتد صحبتُه للطلاب والباحثين عبر أجيال؛ فقد كان التعليم عنده وجهًا من وجوه صناعة العلم نفسها؛ فالعالم في تصوره لا تتم رسالته حين يعرف، ولا حين يكتب ما يعرف فحسب؛ وإنما حين يُعيد بناء ما يعرف بحيث يستطيع عقلٌ آخرُ أن يفهمه، ويمارسه، ثم يستقل به، وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الأستاذ شعبان صلاح: لم يورث طلابه قواعد العربية وحدها، وإنما حاول أن يورثهم القدرة على التعامل معها؛ وتلك هي المسافة بين نقل المعرفة وصناعة الملكة.


 العروض علمًا وذوقًا وإبداعًا.. الشاعر الذي كان يسكن العالم

إذا كانت مؤلفات شعبان صلاح العروضية تكشف عن عالم خبير بأوزان الشعر وقوانينه، فإن دواوينه تكشف عن أمر آخر لا يقل أهمية في فهم تجربته: أن هذا العالِم الذي كان يفكك الوزن إلى أسباب وأوتاد، ويتتبع الزحافاتِ والعللَ، ويناقش حدودَ البحور وصورها المستحدثة، كان يحمل في داخله شاعرًا يعرف النغم قبل أن يسميه، ويتذوق الإيقاع قبل أن يحلله، ومن هنا تبدو تجربته العروضية دائرة نادرة الاكتمال: حقق تراثها في شفاء الغليل في علم الخليل ونهاية الراغب في شرح عروض ابن الحاجب والجوهرة الفريدة في قافية القصيدة، وأصّلها وناقشها في موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع، ويسّر تعليمها في المفيد في وزن القصيد، واختبر حدود التجديد فيها عند ابن الفرخان وفي دراساته للأوزان المحدثة، ثم مارس الشعر نفسه في دواوينه، فلم يأت شعبان صلاح إلى العروض من خارج الشعر؛ فقد كان يدرسه بعقل العالم، ويسمعه بأذن الشاعر، ويمارسه بوجدان المبدع؛ ولهذا أيضًا كان يقرأ نحو الشعر بعقل النحوي وذائقة المبدع، كما فعل في دراسته لأبي تمام، فلا يرى البيت شاهدًا نحويًّا مجردًا من روحه وإيقاعه.


وتكشف دواوينه الثلاثة: "قراءة في عيني حبيبتي"، و"عاشق الوهم"، ثم "بكائية للنغم النافر" عن الوجه الآخر لذلك الأستاذ الصارم في التحقيق والتقعيد، أما الديوان الأخير، الصادر سنة 2009م، فله دلالة خاصة؛ لأنه لم يكن مجرد مجموعة جديدة، بل مثّل اختياره المنقح من تجربته الشعرية السابقة، بعد أن جمع قصائد من الديوانين الأولين وأسقط ما رأى التخلي عنه، فكأنه أراد أن يترك للقارئ الصورة الشعرية التي ارتضاها لنفسه، واختياره «بكائية للنغم النافر» عنوانًا للمجموعة كلها شديد الإيحاء؛ فـ«النغم» الذي قضى عمره يدرسه ويعلمه ويزن به الشعر يصبح هنا كائنًا وجدانيًّا يقترب وينفر، يحضر ويغيب، حتى تتحول القطيعة مع الشعر إلى بكائية على صوت كان جزءًا من الذات؛ ولهذا تتوزع قصائده بين الحب والشوق والخيبة والكبرياء، وبين الوطن وهم الأمة، وبين استعادة الطفولة والإحساس بمرور العمر، وبين الرغبة في الكلام ومهابة الصمت؛ حتى يبدو الديوان في بعض وجوهه سيرةً وجدانية موازية لسيرته الأكاديمية: هناك نقرأ العالم كما صنعته الكتب، وهنا نسمع الإنسان كما صنعته الأفراح والجراح.


ومن أشفّ النوافذ على ذلك الإنسان قصيدته "لحن الوفاء"؛ إذ يجعل من عكازته أو ساقه الصناعية رفيقةً للشدائد، ويقابل وفاءها بما عرفه من تقلب بعض البشر، والمفارقة مؤلمة وجميلة معًا: شيءٌ جامد يتحول في مخيلة الشاعر إلى رمز للصحبة التي لا تخون، بينما يعجز بعض الأحياء عن الوفاء، ولا نحتاج، ما دامت أبيات القصيدة نفسها ليست بين أيدينا هنا، إلى أن ننسب إليه لفظًا لم نتحقق منه؛ ففكرة القصيدة وحدها كافية لتكشف جانبًا من وجدانه: كان يستطيع أن يحول الألم الشخصي إلى صورة، والعجز الجسدي إلى معنى، والرفيق الصامت إلى "لحن وفاء"، وبمثل هذا الحس نفهم نبرة الإباء التي تتكرر في شعره، حتى يقول في إحدى عباراته الشعرية الدالة: "إنني أهواكِ، لكن فوق حبي كبريائي"؛ فالحب عنده لا يمحو اعتزاز النفس، كما أن الألم لا يسلب الإنسان كرامته.


ولعل شعره يفسر لنا شيئًا من سر موقفه من العروض نفسه، فمن مارس القصيدة لا يستطيع بسهولة أن يختزل الموسيقى في جدول، ومن عانى مجيء النغم ونفوره يعرف أن الوزن ليس حاصل عملية حسابية بين المتحركات والسواكن؛ لذلك كان شديد العناية بالذائقة والاستعمال، متحفظًا تجاه الأوزان التي لا يسندها شعر حي وإن أمكن توليدها رياضيًّا، ومستعدًّا في المقابل لقبول صورة جديدة متى شهد لها الإيقاع والتجربة الشعرية، لقد عرف من داخل الممارسة أن بين صحة الوزن وحياة الموسيقى مسافةً لا يقطعها الحساب وحده؛ وربما لهذا كانت أذنه النقدية شريكًا لعقله العروضي، لا تابعًا له.


وهكذا كان شعبان صلاح يعيش العربية على أكثر من مستوى؛ يدرس نظامها نحويًّا، ويتتبع تحولاتِ كلمتها صرفيًّا، ويحقق تراثها نصًّا، ويزن موسيقاها عروضيًّا، ثم إذا ضاقت العبارة العلمية عن حمل وجدانه سلّم نفسه للشعر؛ فكأن علوم العربية التي درّسها وحققها وبحثها كانت في القصيدة تعود إليه حياةً ونغمًا وتجربة، وعند هذه النقطة يلتقي العالم بالشاعر لقاءً كاملًا؛ فالعروض الذي كان في قاعة الدرس علمًا يصبح في الديوان نبضًا، والقاعدة التي كان يشرحها للطلاب تسترد في القصيدة صوتها الأول، والعربية التي أفنى عمره في خدمتها لا تعود موضوع تخصص فحسب، بل لغةً أحب بها، وتألم بها، وعاتب بها، واشتاق بها، وترك فيها شيئًا من قلبه بعد أن ترك في علومها شيئًا من عقله.


 العالم الإنسان.. الحرية والوفاء والصدق والشجاعة العلمية

لم تكن شخصية الأستاذ الدكتور شعبان صلاح العلمية منفصلة عن شخصيته الإنسانية؛ فقد عرفه من اقترب منه حرَّ النفس، عزيز الجانب، صريحًا في الحق، لا تستعبده منزلة، ولا يصرفه عن قناعته شيوعُ رأي أو مهابةُ اسم، وهذه شهادة إنسانية يعرفها تلاميذه وأصحابه، لكنها تجد ما يوازيها - دون أن نجعل أحد المجالين دليلًا على الآخر - في سلوكه العلمي؛ فلم يكن من الذين يطمئنون إلى الرأي لأنه مشهور، أو يترددون في مراجعة الكبير لأنه كبير؛ حيث ناقش البصريين والكوفيين، وراجع الأخفش والزجاج والزمخشري، وانتقد مواقف طائفة من النحاة من القراءات، وحاور الخليل والعروضيين من داخل علمهم، مؤمنًا -في الممارسة قبل العبارة- بأن توقير العلماء لا يعني تعطيل النظر، وأن احترام التراث لا يقتضي الاستسلام لكل ما استقر فيه، فكانت له في الحياة نفسٌ حرة، وكان له في العلم عقلٌ حر؛ وبين الحريتين ذلك القدر الجميل من الانسجام الذي لا يحتاج إلى ادعاء ولا مبالغة.


وكانت شجاعته العلمية مقرونةً بأمانة تمنعها من أن تتحول إلى مكابرة، ومن أجمل الشواهد على ذلك موقفه في بحثه عن التجديد في أوزان الشعر عند ابن الفرخان؛ إذ أفاد -كما أشرنا منذ قليل- من ملاحظات الباحث العروضي عمر خلوف على النشرة التي كان يعتمد عليها، فراجع ما كتب، وعدّل ما اقتضت المراجعة تعديله، وأثبت الإفادة ونسب الفضل إلى صاحبه، وهذه خصلة لا تقل قيمة عن القدرة على النقد نفسها؛ لأن الباحث قد يملك شجاعة الاعتراض ولا يملك شجاعة الرجوع، أما شعبان صلاح فكان يعرف أن الرجوع إلى الصواب ليس هزيمةً للعالم، بل هو انتصارٌ للعلم على العالم، وأن الأمانة لا تظهر فقط حين نصحح أخطاء الآخرين، وإنما تبلغ امتحانها الأصعب حين نكتشف ما يحتاج إلى التصحيح في عملنا نحن، ولعل هذا الخلق نفسه هو الذي جعله يعود إلى كتب العلماء الأصلية قبل محاكمتهم، ويأبى أن ينسب إلى الأخفش ما لم يجده عند الأخفش، أو أن يطمئن إلى مطبوع لمجرد أنه صار بين أيدي الناس؛ فالتثبت عنده لم يكن إجراءً فنيًّا فحسب، بل ظل خُلُقًا معرفيًّا.


وفي شعره يطل جانبٌ آخرُ من هذه النفس: الوفاء وعزة النفس، ويكفي أن نتأمل اختياره عنوان «لحن الوفاء» لقصيدة جعل فيها من عكازته أو ساقه الصناعية رفيقةً ثبتت معه في الشدة حين يتقلب بعض البشر؛ فالمعنى يتجاوز ظرف القصيدة إلى حساسية إنسانية عالية تجاه الصحبة والخذلان والجميل الذي لا ينبغي أن يُنسى، وعلى الضفة الأخرى يجيء اعتزازه بنفسه واضحًا في قوله: "إنني أهواكِ، لكن فوق حبي كبريائي". ولا يصح أن نحول القصيدة العاطفية إلى وثيقة حرفية في سيرته، لكن تكرار معاني الوفاء والإباء والرفض للهوان في شعره يكشف - على الأقل - عن القيم التي كانت تستوقف وجدانه وتستحق عنده أن تتحول إلى شعر، فلقد كان رقيق الشعور من غير استكانة، وفيًّا من غير ذوبان، قادرًا على الحب، وقادرًا كذلك على أن يصون للحب كرامته.


ولم يتجسد وفاؤه للعلم في الكتب وحدها، بل في البشر الذين صنعهم العلم على يديه؛ حيث أشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه في دار العلوم، وعلى عدد من الرسائل في جامعة أم القرى، وناقش الباحثين في جامعات مصر والسعودية، وشارك في لجان الترقيات في جامعات عربية متعددة، وحكّم الكتب والبحوث، وأسهم في بناء معايير الاختيار العلمي من موقعه في اللجنة العلمية الدائمة، ورئاسة تحرير مجلة كلية دار العلوم، ووكالة الكلية للدراسات العليا والبحوث، وليس المهم في هذه السيرة أن نحصي اللجان والمناقشات والتحكيمات، وإنما أن ندرك ما وراءها: أن الرجل لم يترك علمًا مكتوبًا على رفوف المكتبات فحسب، بل ترك علمًا حيًّا موزعًا في عقول تلاميذه وباحثيه؛ علّم هذا، وأشرف على ذاك، وصحح لثالث، وناقش رابعًا، وفتح لخامس طريقًا إلى البحث.


وهنا تتبدى إحدى أعمق دلالات رحيل العلماء؛ فالعالِم يموت جسدًا، ولكن العلم الذي أودعه في الرجال والنساء يقاوم الغياب، رحل شعبان صلاح بعد عمر طويل في صحبة العربية، لكن شيئًا منه سيظل يتكلم كلما فتح طالب كتابًا يسّره له، أو عاد باحث إلى نص أصيل امتثالًا لمنهجه في التثبت، أو أعاد عروضي النظر في حكم مستقر لأن أستاذًا سبقه علّمه ألا يجعل المصطلح أكبر من الظاهرة، أو حمل واحد من عشرات تلاميذه الراية إلى جيل جديد، وهذه لعلها أجمل صورة لبقاء العالم بعد موته: أن يغيب صاحبُ الصوت ولا ينقطع صداه؛ وأن يوضع القلم من يده ثم تظل أقلام كثيرة قد تعلّمت منه كيف تكتب.


 من المؤلفات إلى المشروع.. معالم منهج الدكتور شعبان صلاح العلمي

حين تُقرأ مؤلفات الأستاذ الدكتور شعبان صلاح متفرقةً، يبدو أمامنا نحويٌّ يكتب في الجملة، وصرفيٌّ يدرس بنية الكلمة، وباحثٌ في القراءات، وعروضيٌّ يحقق كتب الخليل ويعيد النظر في أوزان الشعر، ومعلّمٌ يؤلف للطلاب، وشاعرٌ ينظم ما يدرسه من موسيقى؛ لكن هذه الصورة، على ثرائها، لا تكشف حقيقة الرجل كاملة؛ فحين توضع أعماله بعضها إلى جوار بعض، من «الجملة الوصفية» و«مواقف النحاة من القراءات القرآنية»، إلى «تصريف الأفعال» و«تصريف الأسماء» و«الإعلال والإبدال»، ومن دراساته في الأخفش والزجاج وأبي تمام إلى «موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع» وتحقيقاته العروضية، يظهر وراء هذا التعدد مشروع علمي ذو منطق داخلي متماسك؛ تختلف موضوعاته، وتتوحد طريقته في النظر، حتى ليصح أن نقول: إن شعبان صلاح لم يكن يؤلف في علوم متجاورة بقدر ما كان يمارس في كل علم منها رؤيته نفسها إلى العربية: نصًّا يُوثَّق، وظاهرةً تُستقرأ، وقاعدةً تُفسِّر، وتراثًا يُراجع، وعلمًا يُيسَّر، ونظامًا يملك من المرونة ما يسمح له بالتجدد دون أن يفقد هويته.


النص قبل التجريد.. والأصل قبل النقل

أول أصول هذا المشروع أن النص أسبق من القاعدة التي تصفه؛ فالقاعدة لم تُخلق لتحاكم اللغة، وإنما صيغت لتكشف نظامها؛ ولهذا كان موقفه من القراءات القرآنية بالغ الدلالة على منهجه كله: القراءة الثابتة ليست متهمًا يمثل أمام محكمة القياس النحوي، بل شاهدٌ لغوي أصيل ينبغي أن يتسع له التقعيد، فإذا ضاقت القاعدة عن النص الموثوق كان الأولى مراجعة القاعدة لا إهدار الشاهد، وهذا المبدأ نفسه هو الذي قاده في «شعر أبي تمام» إلى تفسير ما يبدو خروجًا عن المألوف في ضوء لغة الشعر واللهجات العربية واتساع الاستعمال، بدل المسارعة إلى وصمه بالخطأ والشذوذ، كان يسأل النص عما تقوله العربية قبل أن يسأل القاعدة عما ينبغي أن تقوله العربية.


ويلازم هذا الأصلَ أصلٌ ثانٍ لا يقل عنه رسوخًا: الأصل قبل النقل؛ فمن أراد معرفة رأي الأخفش فليقرأ الأخفش، ومن أراد تحرير مذهب الزجاج فليعد إلى «معاني القرآن وإعرابه»، ولا يجوز أن تتحول طبقاتُ النقل المتراكمة إلى حجاب يحول بين الباحث والعالم الذي يدرسه؛ ولهذا حمل عنوانه «الجملة الاسمية عند الأخفش الأوسط بين أقواله في معاني القرآن وروايات العلماء عنه» دلالة منهجية تتجاوز موضوع الكتاب نفسه؛ إذ كان انتقالًا من الرواية عن العالم إلى استنطاق العالم نفسه؛ وهذا أيضًا ما يفسر عنايته بالمخطوط، ومقابلة نسخه، وتخريج شواهده، ومراجعة المطبوعات؛ فسلامة النتيجة عنده تبدأ من سلامة المادة التي أقيمت عليها.


الوظيفة قبل الشكل.. والتفسير قبل الحفظ

أما الأصل الثالث فهو أن الظاهرة أكبر من اسم الباب الذي وضعت فيه؛ فقد ظهر ذلك مبكرًا في «الجملة الوصفية»، حين لم يرض بأن يكون السؤال: أهذه الصفة اسم عند البصريين أم «فعل دائم» عند الكوفيين؟ بل تجاوز المفاضلة بين الجوابين إلى إعادة بناء المسألة، واقتراح استقلال الصفة بخصائصها، ثم استقلال الجملة الوصفية، والاستعانة بمفهوم «تعدد المعنى الوظيفي» لفهم انتقال الصيغ والتراكيب بين وظائفها. لم يكن التصنيف غاية عنده، بل وسيلة للفهم؛ ولذلك كان ينتقل من سؤال: ما هذه الصيغة؟ إلى سؤال أدق: ماذا تفعل هذه الصيغة في السياق؟ ومن هذه الزاوية يمكن فهم اهتمامه بأبنية المشتقات ووظائفها في شعر الأعشى، كما يمكن فهم جمعه في تحليل شعر أبي تمام بين الصوت والصرف والنحو واللهجة والعروض؛ فاللغة عنده لا تعمل داخل الحدود التي رسمتها أبواب الكتب، وإنما تعمل بوصفها نظامًا تتساند مستوياته.


ولهذا أيضًا لم يكن التعليم عنده تلقينًا للأحكام فحسب، ففي «الإعلال والإبدال» لا يكفي أن يعرف الطالب أن حرفًا قُلب أو حُذف أو نُقلت حركته، وإنما ينبغي أن يدرك ما وراء ذلك من تناسب صوتي، أو استثقال، أو تخلص من التقاء الساكنين، أو طلب للخفة، وفي «تصريف الأفعال» تتصل الأبنية بمعاني الزيادة والتعدية والمطاوعة والصيرورة وغيرها، ويتحدد موقع الصرف بين الصوت والنحو، فقد كان يميل إلى تحويل القاعدة من محفوظ إلى مفهوم، ومن حكم إلى تفسير؛ لأن العلم الذي ينتهي عند الذاكرة يظل معلومة، أما العلم الذي يكشف علله وعلاقاته فيتحول إلى مَلَكة.


الاستقراء قبل الافتراض.. والتثبت قبل الحكم

ويتأكد هذا المنهج أكثر حين نصل إلى العروض، لقد كان قادرًا على قبول الجديد، لكنه لم يكن يقبل كل ما يمكن توليده نظريًّا؛ لأن الإمكان شيء، والاستعمال شيء آخر؛ ولهذا تكشف دراسته لابن الفرخان عن معيار حاسم في فكره: الأوزان لا تصبح شعرًا لمجرد إمكان تركيبها رياضيًّا من الأسباب والأوتاد والتفاعيل، ولا لمجرد إمكان النظم المصنوع عليها؛ وإنما تمتحن بالسماع والاستعمال والذوق الموسيقي الذي راكمتْه العربيةُ في شعرها، ومن ثم كان نقده للأوزان المتأثرة بالعروض الفارسي وللتوليد الافتراضي قائمًا على قاعدة يمكن اختصارها في كلمتين: الاستعمال قبل الإمكان.


ومن الاستقراء يولد التثبت؛ فلا حكم قبل إحكام الشاهد الذي سيقام عليه الحكم؛ ولهذا قابل في «شفاء الغليل في علم الخليل» النسخ المخطوطة، ومنها نسختان بخط المؤلف ونسخة قرئت عليه، وميّز الشواهد ونسبها، ولم تمنعه الثقة بالمطبوع من اكتشاف الخلل فيه؛ فراجع طبعة ديوان أبي تمام، ثم عاد في بحث ابن الفرخان إلى ما اعتمده حين تبين له من نقد عمر خلوف ما يستوجب التصحيح، وهكذا تتصل حلقات المنهج: النص يسبق الحكم، والتثبت يسبق الاستدلال، والاستقراء يسبق التعميم؛ فإذا اختلت المادة الأولى لم تنقذ براعة التحليل ما بُني عليها.


التوقير مع المراجعة.. والحرية داخل النظام

ولعل أدق ما يميز شعبان صلاح أنه استطاع أن يجمع بين أمرين كثيرًا ما يفترقان: توقير التراث والقدرة على مراجعته، فلم يكن محتاجًا إلى إسقاط سيبويه لكي يجدد في النحو، ولا إلى تجاوز الخليل لكي يجدد في العروض؛ لأن المراجعة عنده لم تكن ثورة على الأسماء، بل كانت امتحانًا للأفكار، ومن ثم لم يكن الخلاف مع السابقين انتقاصًا منهم، كما لم يكن إجلالهم مانعًا من مناقشتهم، كان يدخل إلى التراث من بابه، ويتعلم لغته، ويستوعب منطقه، ثم يسأل: هل يفسر هذا التقسيم الظاهرةَ كلها؟ وهل يطابق هذا المصطلح حقيقةَ الإيقاع؟ وهل يشهد الاستعمالُ لهذا الحكم؟


وفي «موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع» تتجلى هذه الفلسفة بأوضح صورها؛ فهو لا يقدس النظام حتى يجمده، ولا يفتح باب التجديد حتى يبدده، وإنما يعود إلى الاستعمال والذوق والتاريخ ليختبر بها صحة التقسيم والمصطلح والحكم، فيصبح الخليل بهذا أصلًا يُفهم ويُبنى عليه، لا حدًّا يقف عنده الشعر، ويغدو التجديد امتدادًا لقدرة العربية على الابتكار من داخل موسيقاها، لا قطيعة معها؛ ولذلك راجع الحدود بين بعض البحور، وأنصف المتدارك، وتأمل الصلات الإيقاعية بين الهزج ومجزوء الوافر، ودرس الصور المستحدثة وشعر التفعيلة، وفي الوقت نفسه رفض أن يتحول الابتداع إلى فوضى، فالمصطلح عنده خادم للظاهرة لا حاكم عليها، والتجديد ليس كسرًا للنظام، بل اختبار لقدرة النظام نفسه على الاتساع دون أن يفقد هويته، وتلك هي «الحرية داخل النظام» في أدق صورها.


التيسير دون تسطيح.. وإعادة بناء العلم للمتعلم

ويمتد هذا المنهج من البحث إلى التعليم؛ فمن يقارن «موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع» بـ«المفيد في وزن القصيد»، أو يقارن بحثه الدقيق في ابن الفرخان بكتبه التعليمية في الصرف والنحو، يدرك أنه كان يفرق بوعي بين ما يحتاج إليه المتخصص وما يحتاج إليه المبتدئ، قد يطارد الصورة النادرة والخلاف الدقيق حين يكون باحثًا، ثم يستبعدهما حين يقف مع الطالب في أول الطريق، فلم يكن التيسير عند شعبان صلاح اختصارًا للعلم، وإنما إعادة بناء للعلم بحسب حاجة المتعلم؛ ولهذا لم يتردد في تغيير ترتيب المادة نفسها، كما فعل في «المفيد» حين بدأ بالأبحر ذات التفعيلة المتكررة قبل المركبة، منتقلًا من منطق العلم كما تكوَّن تاريخيًّا إلى منطق العلم كما ينبغي أن يُتعلَّم، فالمعرفة عنده لا تكتمل بأن تُقال؛ بل ينبغي أن تنتقل من معلومة إلى تدريب، ومن تدريب إلى قدرة، ومن قدرة إلى مَلَكة.


عقل واحد في وجوه متعددة

وعند هذه النقطة تتجمع الشخصيات التي قد تبدو لأول وهلة متفرقة: النحوي والصرفي والعروضي، والمحقق والمعلم والشاعر، والحق أنها لم تكن شخصيات متجاورة، بل كان بعضها يفسر بعضًا: الشاعر يفسر العروضي، والمعلم يفسر المؤلف، والعالم يضبط الشاعر؛ فذائقته الشعرية أعانته على ألا يحول العروض إلى هندسة صماء، وخبرته التعليمية جعلته يميز بين بنية العلم وبنية تعلمه، وتكوينه النحوي والصرفي حمى ذوقه من الانطباعية، وممارسته للتحقيق علمته ألا يبني رأيًا على نص مضطرب، وصلته بالقرآن والقراءات عمقت لديه احترام الاستعمال الموثوق وسعة العربية.


وإذا أردنا أن نرسم دورة المعرفة في مشروعه أمكن أن نراها حركة متصلة: يعود إلى التراث، فيحقق النص؛ ثم يحلل الظاهرة، فيختبرها بالشاهد؛ ثم يعيد بناء المسألة، فيعلّمها؛ ثم يختبر قدرتها على التجدد، وربما مارس بعض ما يدرسه إبداعًا في شعره نفسه، إنها حركة من النص إلى الفهم، ومن الفهم إلى النظر، ومن النظر إلى التعليم، ومن التعليم إلى التجديد، ومن العلم - في بعض أجمل تجلياته - إلى الفن.


وبهذه الأصول لا تبدو أعمال شعبان صلاح مؤلفاتٍ متفرقةً في النحو والصرف والعروض والقراءات والتحقيق والشعر، بل وجوهًا متعددة لعقل علمي واحد، ظل يسأل، منذ «الجملة الوصفية» في شبابه حتى دراساته العروضية في أخريات حياته: كيف نفهم العربية كما هي، قبل أن نفرض عليها ما نريدها أن تكون؟ وربما كان هذا السؤال هو الخيط الأدق الذي يجمع تراثه كله؛ فقد عاش خادمًا للعربية، لكنه خدمها بأرفع صور الخدمة: أن يصغي إليها قبل أن يحكم عليها، وأن يفهم نظامها قبل أن يقعد له، وأن يصون أصولها وهو يفتح نوافذها للتجديد.


 موقعه في مدرسة دار العلوم وآفاق قراءة تراثه

يصعب فهم الأستاذ الدكتور شعبان صلاح بعيدًا عن مدرسة دار العلوم التي انتمى إليها طالبًا وأستاذًا، وأسهم بعد ذلك في إدارة مؤسساتها العلمية وصناعة أجيالها، فقد حمل شيئًا من خصائص النموذج الدارعمي في أجمل صوره: اتصال علوم العربية بالقرآن والعلوم الإسلامية، واجتماع المعرفة بالنحو والصرف مع الحس الأدبي والشعري، والعودة إلى أمهات التراث مقرونةً بالتحقيق والنقد، ثم تحويل هذا كله إلى معرفة قابلة للتعليم، ولم تكن العربية عنده تخصصات متجاورة؛ كان القرآن والقراءات يرفدان نظره النحوي، والنحو يضيء قراءته للشعر، والصرف يتصل بالصوت والدلالة، والعروض يلتقي بالذوق، والتحقيق يمد هذه العلوم جميعًا بالنص الصحيح الذي يبدأ منه النظر.


وكان للأستاذ الدكتور تمام حسان أثر ظاهر في تكوينه المبكر، ولا سيما في رسالته عن «الجملة الوصفية»، بما حملته من عناية بالقرائن، والوظيفة، وإعادة مساءلة بعض التقسيمات الموروثة، غير أن شعبان صلاح لم يبقَ أسير هذا التأثير، ولم يتحول إلى مجرد شارح لمشروع أستاذه؛ فقد اتسعت صلته بالمصادر التراثية، واشتد ميله إلى اختبار الآراء بالنصوص الأصلية والشواهد والاستعمال، وهكذا تكوّن منهجه عند ملتقى طريقين: جرأة السؤال التي أفادها من الدرس اللغوي الحديث، وصلابة التوثيق التي عمقتها صحبتُه الطويلة للتراث؛ فلم يكن حداثيًّا يقرأ القديم من خارجه، ولا تراثيًّا يغلق أبواب المراجعة، وإنما كان باحثًا يتحرك بين العالمين بحرية العالم المتمكن من أدواته.


وهل يجوز، بعد ذلك، الحديث عن "مدرسة شعبان صلاح"؟ لعل الأدق ألا نستعجل إطلاق المصطلح بمعناه الاصطلاحي الصارم؛ فلم يؤسس الرجل مذهبًا لغويًّا يحمل اسمه، ولم يجمع مشروعه في نظرية واحدة مغلقة، لكن كثافة إنتاجه، ووحدة الأصول التي حكمت أعماله، وامتداد أثره في عشرات الباحثين الذين أشرف عليهم أو ناقشهم وعلّمهم، تسمح بالحديث عن ملامح منهج شعباني قابل للامتداد: نصٌّ قبل القاعدة، وأصلٌ قبل النقل، وتثبتٌ قبل الحكم، ووظيفةٌ قبل أسر الظاهرة في التصنيف، وتفسيرٌ قبل الحفظ، وتوقيرٌ للتراث لا يمنع مراجعته، وتجديدٌ يتحرك بحرية داخل النظام، وتعليمٌ يبني الملكة ولا يكتفي بتكديس المعلومات.


وقد فتحت رسالة آلاء أحمد محمد عمر "جهود الدكتور شعبان صلاح النحوية والصرفية والعروضية" بابًا مهمًّا لجمع جهوده وتصنيفها ودراسة عدد من اختياراته، لكنها ينبغي أن تكون بدايةً لمسار بحثي أوسع لا نهايته؛ فتراث الرجل يستحق دراسات مستقلة في فلسفته للعلاقة بين النص والقاعدة، ومشروعه في القراءات القرآنية، ورؤيته لتجديد العروض وموسيقى الشعر، وفلسفته في تعليم العربية، ومنهجه في تحقيق التراث، وتجربته الشعرية وصلتها بتكوينه اللغوي والعروضي، إلى جانب جمع شهادات تلاميذه وزملائه، وإعداد ببليوجرافيا علمية مستوعبة لمؤلفاته وتحقيقاته وبحوثه ومقالاته وما لم يُطبع منها.


لقد انتهت حياة شعبان صلاح، لكن قراءة شعبان صلاح لم تنتهِ بعد، وربما يكون من الوفاء لهذا العالم ألا نقف عند رثائه، ولا عند تعداد كتبه ومناصبه، بل أن نعيد قراءة ما تركه بوصفه تجربة علمية ممتدة تستحق أن تُدرس في كليتها، فبعض العلماء يتركون مؤلفاتٍ، وبعضهم يترك تلاميذَ، وبعضهم يترك أسئلةً؛ أما شعبان صلاح فقد ترك من ذلك كله نصيبًا موفورًا، وترك وراءه - قبل كل شيء - طريقةً في النظر جديرةً بأن تبقى بعد صاحبها.


 الخاتمة: المقال الذي لم يقرأه صاحبه

كنت أريد لهذا المقال أن يكون كلمة وفاء تُقرأ في حياة صاحبها؛ فقد بدا لي منذ زمن أن الأستاذ الدكتور شعبان صلاح يستحق أن يُكتب عنه لا بعد أن يصبح خبرًا في صفحات الرثاء، بل وهو بين أهله وتلاميذه، يرى بعض ثمر ما غرس، ويسمع شيئًا مما تقوله الألسنة بعد أن أنفق عمره في تعليمها كيف تستقيم، فقد تهيأت لأن أكتب إليه لا عنه، وأن تصل إليه الكلمات وهو قادر على قراءتها؛ لكن الموت كان أسرع من المقال، فتحولت الكلمة التي أردتها تحيةً إلى وداع، وصار ما هيأته للوفاء في حياته شهادةً له بعد رحيله، وكم يؤلم أن تأتي بعضُ كلمات المحبة متأخرةً خطوة واحدة عن أصحابها!


وبعد هذه الرحلة في آثاره، تبدو لي حقيقة شعبان صلاح أبعدَ من صورة الأستاذ المتخصص في النحو والصرف والعروض؛ فلم تكن هذه علومًا متجاورة اجتمعت في سيرته مصادفة، وإنما كانت مسالك متعددة لرؤية علمية متماسكة، ففي القراءات والنحو والصرف والتحقيق والعروض والتعليم والشعر ظل جوهر منهجه واحدًا: إنصاف النص قبل إخضاعه للتجريد، والتثبت قبل إطلاق الحكم، والرجوع إلى الأصل قبل الركون إلى النقل، وتعليل الظاهرة قبل مطالبة الطالب بحفظها، وإجلال التراث من غير تعطيل لحق المراجعة، أما التجديد فلم يكن عنده خصومةً مع القديم، ولا انبهارًا بكل جديد، وإنما كان رحابةً منضبطة: حريةً داخل النظام، واجتهادًا يحفظ للأصل مكانته، وللعقل حقه، وللاستعمال سلطانه.


غير أن أثمن ما يتركه العلماء لا يُقاس بعدد الكتب التي تحمل أسماءهم. الكتاب يبقى، نعم، ولكن أبقى منه العقل الذي أسهم صاحبه في تكوينه، والملكة التي غرسها في طالب، والسؤال الذي أيقظه في باحث، والمنهج الذي علّم به جيلًا كيف يقرأ ويفحص ويراجع؛ ولهذا لا ينحصر إرث شعبان صلاح في رفٍّ يجمع «الجملة الوصفية» و«مواقف النحاة» و«موسيقى الشعر» و«المفيد» وسائر كتبه وتحقيقاته؛ إن جزءًا كبيرًا من إرثه موزع اليوم في تلاميذه، وفي الرسائل التي أشرف عليها، والباحثين الذين ناقشهم، والنصوص التي حققها، والطرائق التي علّم بها العربية، تلك حياة أخرى للعالم، لا يسجل تاريخُ الوفاة نهايتَها.


أما أنا، وقد أردت أن أكتب عنه وهو حي، فما أثقل أن أضع اليوم خاتمة مقال لم يقرأ صاحبه مقدمته! رحل أستاذنا الدكتور شعبان صلاح قبل أن تصله الكلمات التي كنت أهيئها له، وبقي في النفس شيء من حسرة الوفاء الذي سبقته المنية، لكن عزائي أن العالم لا يرحل كلُّه حين يرحل جسده؛ يبقى منه ما استودعه في الكتب، وما غرسه في الطلاب، وما فتحه من أسئلة، وما خلّفه من طريقة في النظر، وما تركه في قلوب عارفيه من ذكر طيب، وإذا كان الموت قد حال بيني وبين أن أهديه هذه الكلمات حيًّا، فحسبها اليوم أن تكون بعض وفاء لعالم أحب العربية، وخدم كتاب الله، وعلّم أجيالًا، وصان للتراث حقه، وللاجتهاد حريته، وللعلم هيبته، وعاش حرَّ العقل أبيَّ النفس، ثم مضى وبقي أثره شاهدًا عليه.


رحم الله أستاذنا الكبير الأستاذ الدكتور شعبان صلاح رحمةً واسعة، وجزاه عن العربية وعلومها، وعن القرآن وقراءاته، وعن طلابه وتلاميذه، وعن العلم وأهله خير الجزاء .. اللهم اجعل ما علَّم ونشر وحقق وكتب في ميزان حسناته، واجعل كل علم نافع تركه صدقةً جارية لا ينقطع أجرها، وكل طالب علّمه شاهد خير له، وكل حرف خدم به كتابك نورًا في قبره ورفعةً في درجاته .. اللهم آنس وحشته، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، واجمعه بمن أحب من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.


سلامٌ على شعبان صلاح يوم وُلد، ويوم عاش للعربية معلّمًا وباحثًا وشاعرًا، ويوم رحل عنها جسدًا وبقي فيها علمًا وأثرًا ونغمًا، ورحمةُ الله عليه يوم يُبعث حيًّا.





→ كل المقالات مشاركة عبر واتساب
اقرأ أيضًا

مقالات أخرى