[ عتبات شعرية]]
-" بناة دعموا للدين صرحا وأعلوا من بناء الضاد ركنا
- وما فتئ الزمان يدور حتى تهاووا بيننا حصنا فحصنا
- أولئك معشر كانوا كراما فعزوا في ظلال المجد شأنا".
-" بكاه العلم والمعروف أيضا وايات من القران سرد
- ومحراب تقوس من فراق وسوف يناله للحزن هدُّ".
-" ومن للتصانيف اللواتي كأنها أزاهر روض ضُمِّنَتْها الدفاترُ
- ومن للدروس اللائي أضحت دوارسا مدارسها دارت عليها الدوائرُ".
-" يثني عليك لسان من لم تُولِه خيرا؛ لأنك بالثناء جديرُ".
-" فنم في ظل رَوح كل وقت يروح عليك رضوان ويغدو".
-" ويظل ذكرك كالأريج تضوعت به كل عابرة من الأنسام".
-" ما نحن إلا خيال والزمان صدى والعمر وهم وغير الله لا أحدا".
[[ بين يدي المقال]]:
في هذا المقال الحزين المحزن، أتخفف من حزنه وإحزانه وأحزانه، بالحديث عن لوحة في الجنة يتفيأ فيها الشيخ ظلالها- إن شاء الله-، ثم أرجع إلى الدنيا الفانية؛ لألقي ضوءا على سيرته الطيبة ومسيرته العطرة، وأذكر أهم مؤلفاته وتحقيقاته، وأبرز بشيء من التفصيل غزارة علمه في النحو والصرف، وأجلِّي للقارئ مدى تفوقه في علم العروض، وأشير إلى تفرده في شرحه وتفوقه في تحليله وطرحه، وأتحدث عن مكارم أخلاقه، وأتكلم عن محامد صفاته، ثم أعرج على مرضه، وأتوقف عند موته، ثم أعزي فيه الدار وعلماءها، وقسم النحو ورجاله ومنسوبيه، ثم أستجلب الرحمة له بالترحم عليه والدعاء له، وذكر قصيدته [ لحن الوفاء]، وإلى الله المصير، والحق يقال:
[[" نجوم سماء خَرَّ من بينها البدرُ"]]
[[فأما لوحة الجنة]]:
فهناك في إحدى درجات الفردوس، عند غدير ماء عذب وخرير عسل مصفى، تحت ظل شجرة سدر ذات طلع منضود، ولها أخوات ظلهن ممدود جلس أستاذنا- وعن يمينه جنتان، ذواتا أفنان، فيهما عينان تجريان، وعن شماله من دونهما جنتان أخريان مدهامتان، فيهما عينان نضاختان، وأمامه خيام فيها خيرات حسان، كالياقوت واللؤلؤ المكنون والمرجان- يحاور سيبويه والزجاج والأخفش في معاني القرآن وإعراب آي التنزيل، ويناقش ابن فرخان والمحلي والإسنوي في عروض ابن الحاجب وعلم الخليل، والنحاة عليه يترددون، والعروضيون حوله يدورون، والشعراء بقربه يهيمون، والولدان المخلدون يطوفون عليه وعلى ضيفه المكرمين، من النحاة والعروضيين والشعراء المبدعين، بأكواب خمر لذة
لا تسكر، جُهزت من رحيق مختوم، ومُزجت بتسنيم، وبأطباق فاكهة كثيرة وتدوم، وقد اتكأ شيخنا على نمارق مصفوفة نُسجت من إستبرق يبهر، وتحته زرابي مبثوثة صُنعت من ديباج أخضر، وقد حُلِّيَ أساور من ذهب، وشرع يصف حوراء غردة، بشعره الرائق مستعملا '' الجملة الوصفية''، ومبدعا في الصور الحسية والمعنوية؛ فأثناه عن وصفه الجميل للحوراء، الذي فاق وصف الشعراء في مدح كل النساء- دنو شجرة وارفة الظلال إليه تحن، وقد سمعها تئن، فضمها إلى صدره، وأنشدها من شعره-؛ إذ صحبته طيلة عمره- لحنا غارت منه الحوراء؛ فقالت: هذه الشجرة كانت عكازتك العصماء؟!، وأنت صاحب لحن الوفاء؟!، يامرحبا، وليتك تنشدنا منه اليوم وغدا، هذا مقامك عندنا أبدا .
[[وأما سيرته ومسيرته]]:
فكانت هذه اللوحة السابقة لمحة عن حسن الظن بالله عز وجل، في أن يتفيأ شيخنا ظلال الجنة- إن شاء الله تعالى-، وإذا عدنا إلى الدنيا الفانية، وتحديدا يوم الخميس 10 يونيو 1948م الموافق 3 شعبان 1367هج، بقرية المعتمدية، تبع المحلة الكبرى محافظة الغربية، جمهورية مصر العربية، في يوم ميمون وافق تاريخ الهدنة الأولى بين العرب واليهود في حرب فلسطين؛ لتبشر بشيخنا قابلة رءوم، ويسمى باسم الشهر العربي الذي ولد فيه؛ ليحمل اسمه الاجتماع والافتراق على حد سواء، ويجنح صغيرا إلى العمل الحقلي؛ فاغتالت ساقه اليمنى ساقية" لها عيون دائمات البكا"؛ ندما على ما اقترفت، وحزنا على ما اجترحت؛ فظلت" تدور فتشدو للحقول أنينها كأن لها قلبا يذوب ويجهش"؛ فتغير مساره إلى التعلم في الأزهر الشريف، ثم في دار العلوم؛ ليتخرج فيها سنة 1972، ويعين معيدا سنة 1973، فمدرسا سنة 1978، فأستاذا مساعدا سنة 1986، فأستاذا سنة 1991، منضما إلى الكبار -وهو منهم من قبل-، وطيلة هذه المدة المباركة لم تفارقه عكازته، ولم تنزح عنه همته، و" كم من ذي عرج في درج المعالي عرج، وكم من صحيحِ قَدَمٍ ليس له في الخير قَدَمٌ"، ولم يحد عن خياله عصا موسى والعقاد، وأمام ناظريه معاناة بشار وأشعاره وشيخ المعرة وأفكاره، وطه حسين في أيامه وحياته وجامعته، وزكي عثمان في أزهره وثقافاته ومعرفته؛ فاتخذ من سير هؤلاء قناديل نور تقوى بها عزيمته، وترتقي بها همته؛ فصار" أحد الأعلام البارزين الذين أسهموا بوافر حظ في نهضة التراث العربي وتنميته، وما من علم من علوم العربية إلا وهو مقدم بين رجاله، وصاحب رأي فيه، وطالما تردد اسمه بين العلماء وطلاب العلم بالحسن والإجادة".
[[وأما أول لقاء جمعني به]]:
فكان في أول محاضرة يلقيها علينا في مدرج 10 بدار العلوم العامرة، في الفرقه الأولى في يوم الثلاثاء 23 سبتمبر 2003 م؛ حيث دخل علينا شيخ مهيب، يتكئ على عصا، بل تتكئ عصاه عليه، وكأنها تحاتج إليه ليسندها ويصحبها، ولايحتاج إليها ليمسكها ويلزمها، وهذا منتهى الكمال، وقد ازداد مهابة، وساد المدرجَ صمتٌ عميم، وآمنت ساعتها أن للعلم جلالا، وأن للشرح جمالا، وأن للفهم كمالا، وأن للعلماء منازلَ وأحوالا؛ فقد أتحفنا الشيخ بأبيات لبشار بن برد عن الصداقة والصديق، وأوسعنا شرحا وإعرابا، وتصريفا وإسهابا، وتحليلا وإطنابا، وعروضا وقافية، وتوضيحات ونصائح شافية، دون لحن أو عي؛ إذ عرج على المشتقات والوزن العروضي، وإسناد الأفعال وعوارض البناء التركيبي، ومواطن الإعلال والإبدال الصرفي، وقال:" هذا غيض من فيض ما ستدرسونه في دار العلوم، وهذا ما أؤمله لكم ومنكم وفيكم يوم أن تتخرجوا فيها بفضل الحي القيوم"، ثم شرع يشرح لنا النحو قيمة وعلما، وفنا وفهما، وتاريخا ونشأة، وجملة ونصا، ومقدمات وتقسيمات، وكأنه يريد أن يوصل لنا رسالة أن العلم يقوم على التكامل بين فروعه كالأواني المستطرقة، وأن العلم لا تنفك رسالته عن الأخلاق والقيم، كما قال شاعرنا:" لا تحسبن العلم ينفع وحده، ما لم يتوج ربه بخلاق"، وما زال صوته يرن في أذني، ويتردد صداه في سويداء قلبي ، وكأني به شامخا مهيبا ينشد أبيات بشار التي قال فيها:
" -إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
-فعش واحدا أو صل أخاك فإنه مقارف ذنب مرة ومجانبه
-إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
- ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلا أن تعد معايبه".

[[وأما علمه وغزارته وشروحه ومحاضراته]]:
فلقد تضاءلت في وزنه الأفهام والأوزان؛ فكان بحق العالم الإنسان، وكان في علم النحو له هيبة وصولجان، وفي الصرف أميرا له عز وسلطان، وفي العروض رئيسا له الصدر والعنوان؛ فأبصر علمه العور والعميان؛ إذ جعل قيعان النحو أنهارا وأغصانا، وصير أجادب الصرف ماء زلالا وأفنانا، وحول الأعاريض الكئود كثيبا مهيلا وعقيانا، وبدل الأضرب العنود لآلئ ومرجانا، وساق القوافي ذللا حسانا، وبقيت تلازمه همته العصماء؛ حتى بلغت به القمة الشماء؛ ففي النحو نجح ونجع، وفي الصرف نقع ونفع، وفي العروض لمع وسطع؛ فقطف الطلاب من أزواج علمه البهية، وأكلوا من ثمار نتاجه الجنية، وكانت تقوده إلى العلا همات، وتدور حوله من العبقرية هالات؛ فأحرز في النحو مؤلفات وقصبات، وفي الصرف شروحا وتعليقات، وفي العروض تحقيقات وتعقيبات؛ فحقق الغايات، ورفع للعلا الرايات، وأصبح في النحو ليثا حاميا، وفي الصرف صقرا ساميا، وفي العروض بحرا طاميا؛ إذ اقتحم حصون النحو فجرا، وأورى فيه ذراعا وزندا، وأغار على قلعة الصرف صبحا، وأعمل فيها بناء ومجدا، وضرب بعكازته الشريفة بحار العروض ضحى؛ فأنشأ فيها فِرقا وطودا، وجاوزها بأساطيل أوزانه ظهرا؛ فحقق فوزا ونفعا، وأثار في رمال القوافي عصرا غبارا ونقعا، وصيرها رياضا روية وأبدع صنعا؛ فصار ملكا متوجا للعروض مساء حقا وقطعا؛ إذ أراد الله به خيرا ورفعا؛ فكانت أقواله في العلم حِكما، وآراؤه في الحلقات حُكْما، كما يحكم ضوء الصبح في ظلام الغلس؛ فكان طلابه يستضيئون بعلمه في ظلمات المضايق من مسائل العلم، وكان يطرب أسماعهم بنسيم شروحه ؛ فتتمايل رءوسهم كأغصان الربا طربا، وكانوا يرون من معارفه عجبا.
وقد كان للشيخ في العلم مسلكٌ نهجٌ سلكه، ومقصد قريب قصده، ومشرع سهل فورد، ومركب مروض فركب، ووجد في النحو مكرعا عذبا فكرع، وفي الصرف قيادا سهلا فقاد، وفي العروض أيكة غناء فراد، وبلغ في النحو أوج أمره، ووصل في الصرف أقصاه، وأتبع في العروض سببا؛ فحقق فيه مبتغاه، وبلغ فيه منتهاه، بما لايسمح بزيادة لمستزيد، وإحسان لمحسن، وإتقان لمتقن؛ إذ " بلغ حيث لم تبلغ الآمال والهمم"؛ فانطلق صوب النحو ؛ فكشف ماهية" الجملة الوصفية"، ودرس" شعر أبي تمام دراسة نحوية"، وبين" مواقف النحاة من القراءات القرآنية"، وسلط الأضواء على" الجملة الاسمية عند الأخفش الأوسط" بمهارة فائقة، وحلل كثيرا " من آراء الزجاج النحوية" بجدارة فارقة، وعرض" الشواهد الشعرية في لسان العرب" بمنهجيةحاذقة، وألقى على طلابه " محاضرات في علم النحو" بطريقة شائقة، وتوجه قِبل الصرف؛ فعالج " أبنية المشتقات ووظائفها في شعر الأعشى" بوسائله الطريفة، وحدد مواطن " الإعلال والإبدال في الكلمة العربية" بإجراءاته اللطيفة، وتمكن من" تصريف الأفعال" ، وأتقن" تصريف الأسماء" في لغتنا العربية الشريفة؛ فكان كما قال شاعرنا:
-" هو البارع النحوي، أجدل فهمه إذا انقضَّ في بحث هوى بابن عصفورِ
- ولو شاهد الفرَّاء في النحو كتْبه لقال حدودي قد أبانت لتقصيري".
وقد غدا الشيخ إلى، مملكة العروض، فعمرها بعلمه، وغمرها بشعره، وسوَّر حدود قافيتها، وبات ملكها و(متواتر) ألقابها، وروِيَّ حروفها، و(مجرى) حركاتها، فجرَّد (مطلقها) وقمعه، ووصل (مقيدها) وحرره، وعالجها من (التضمين) و(الإيطاء)، وحفظها من (الإسراف) و(الإقواء)، وانعطف إلى بحورها فصحح عللها، وغدت أوزانها (سالمة) من (زحافاتها)، ونهض بالعروض نهوضا، واضطلع به اضطلاعا، واستقصى في شرح مسائله رغم إطالتها، وتوصل إلى نهايتها رغم صعوبتها، وحقق ثمرة غايتها؛ إذ رفع سمك الأوزان، وأغطش ذليلها، وأخرج ضحى عزيزها، وأرسى أوتادها، ويسر أسبابها، وصيرها (تامة) لتلاميذه، وجعلها ذات نغمة ناعمة، وأبحر جارية، وروي منطلق، وزيادة مسبغة من غير (قطع) ولا (قطف)؛ فأصبح بدرا يتلألأ في سماء علم العروض، يُزَوِّده بآرائه، ويُزينه بأفكاره، ويُجمله بتحليله؛ فقدَّم لراغبي التأسيس فيه" المفيد في وزن القصيد"، وأهداهم" علم القافية" في ثوب جديد، وشرح " موسيقى الشعر بين الاتباع والابتداع" شرحا فائقا للمتمكنين، وناقش" التجديد في أوزان الشعر بين آراء العلماء وإبداع الشعراء" نقاشا فريدا مع المتخصصين، وادخر مواضع" التجديد في أوزان الشعر عند ابن فرخان" للمبدعين، ويمم تلقاء المخطوطات من التراث والتحقيق، وضرب فيه بسهم وافر الحظ من الإجادة والتدقيق؛ فحقق" المجيد في إعجاز القرآن المجيد" في رحلته الأكاديمية الشريفة، وكشف عن" الجوهرة الفريدة في قافية القصيدة" في مسيرته العلمية العفيفة، ونال مراده من" شفاء الغليل في علم الخليل" بتوقد فطنته، واستطاع" ربط الشوارد في حل الشواهد" بحسن مهارته، وركب" بحر العوام فيما أصاب فيه العوام" بقوة عزيمته، وبلغ" نهاية الراغب في شرح عروض بن الحاجب" بعلو همته؛ فهو كما قال الشاعر:" إمام قد حوى من كل علم كنوزا نحوها يسعى الرِّكَاب".
وقد وجد الشيخ في القرآن نبض قلبه، وفي الشعر صورة نفسه، وفي العروض مسرح أحلامه، وفي القوافي قصة أيامه، وجعل النحو مبلغ آماله، والصرف مجمع أحواله، ووهب هذه العلوم دمه ونفْسه، ومنحها عمره ونفَسه؛ فأصبح شمس نهارها، وصدى صوتها، وأريج زهرها؛ إذ كان لقلمه قوة في الشرح والتصنيف، ولعقله قدرة على التحليل والتأليف، واتخذ اللغة وسيلة فأذاع صيتها، وجعلها مقصدا فحافظ عليها؛ فكان يصيِّر أوزان الشعر أوعية للألفاظ وصدفات وأغمادا، ويجعل المعاني جواهر لها وسيوفا وأوتادا، ويقدم على الموازنة بين بحر وشبيهه، ووزن ومثيله، ونموذج وتربه، وقصيدة وأختها، وقافية وصنوها، ورَوِيٍّ ومُشاكِله، بشعوره النقي الرشيق، وخفقان قلبه التقي الرقيق، وألمعية علمه الغزير العميق، وروية رأيه الصحيح الدقيق؛ فيخرج قوله خروج السهم من قوسه، فيصيب الهدف المقصود، ويفضي إلى الحُكم المنشود، وكانت الأوزان تخرج من قلمه خروج الودق من السحاب، والمعاني تجري على لسانه كخطيب أوتي فصل الخطاب؛ فصيره علمه إماما يؤم العلماء والطلاب في المحراب؛ فاعتزت به الكتب النفيسة الغالية، وارتقت به الرتب الشريفة العالية، وكأنه نهر فياض يسقي الغدران والجداول، وبدر ساطع ينير الديار والمنازل، وغدا ينظم في محاضراته النثر والغرر، وينثر في كتبه النظم والدرر؛ فكان كما قال شاعرنا:
"- حوى العلم لم تشكل غوامض لفظه عليه وما أعيا بفهم دقيقه
-بليغ المعاني في بديع بيانه فصيح اللغى ماضي اللسان ذليقه".
وكان الشيخ لا يتعسف في شرحه وتأويله،
ولا يتمحل في رأيه وتحليله، بل كان يرسم بقلمه نغما مرتلا، حين يغمس ريشته في ماء سحر البيان، وقد يسر عويص النحو لراغبيه، وسهل مضايق الصرف لطالبيه، وذلل أبحر العروض لقاصديها، وألان أصعب القوافي لناشديها؛ فانقاد له أوعرها وعاصيها، فنسج الأوزان وصور القوافي تحفا، وركب بحور الشعر قاهرًا فساد، رغم الظلام المخيم في الدروب، ورغم اليأس المهيمن على القلوب، ورغم غياب شمس الحياة مكسوفة قبل الغروب، فتفوق على أبناء زمانه، وأحرز قصب السبق على أقرانه؛ فأذعن له كل ذي فكر ومنطق وجدال، وسلَّم له كل ذي بصيرة ورأي وأقوال؛ فصارت مُجالسته بالعلم والطلاب مأنوسة، ومَجالسه بالقرآن والشعر محروسة، وكان له فصل الخطاب بها إذا تناوش كماة النحو، وتناشب رماة الصرف، وتساور حماة العروض، وتقابل فرسان القوافي، وتسابق الشجعان، والتقى الجمعان، وتُنُوزِع رأيان، فيطفئ النار، ويسكن الأوار، وينصف المتكلم، ولا يفاخر حين يتكلم، وإذا تقلد عملا على أكمل وجه سواه، وإذا رأى طالب علم ضالا إلى الرشاد هداه، وإذا وجد كتابا مواتا حققه وأحياه، وهو العالم بأن الأستاذية كسوة من العلم غالية وشريفة، وحلية من الفضل نفيسة وظريفة، وحُلَّة من الملك عزيزة ولطيفة".
وكم كان في طريق الشيخ من المتاعب والصعاب، وهو يمضي بين التلال والنصاب!؛ فأحال النحو غضا طريا، وجعل الصرف رطبا جنيا، وصير العروض روضة غناء، وبدل القافية الجرداء واحة نسماء، ونهض بعزمه المعقود، وانطلق بأمله المنشود، يعدو إلى هدفه وبغيته، ويغدو إلى مراده ومُنيته؛ فجرد سيفه، وصوب سهمه؛ فأصاب عويص النحو، واصطاد دقائق الصرف، وخاتل نفائس العروض، وظفر بكنوز القوافي؛ فَفُرِق له في النحو عن سبيل قويم، وفي الصرف عن طريق نهجة، وفي العروض عن علة ناجحة، وفي القافية عن غاية ناجعة؛ فمال إليه الظفر والمجد، وأقبل عليه العز والسعد، وكان طلابه- وأنا أحدهم- يستملحون جواهر كلماته، ويستعذبون غرر اشتقاقاته، ويتلقفون درر عباراته؛ لأن بحره في العلم دافق، ومنجزه في التأليف فائق، وقلبه بحب العلماء خافق؛ فكان كما قال شاعرنا:
" كانت أناشيده أنغام عزتنا ولم تزل معربات عن أمانينا".
وقد كان النحو عند شيخنا اضطرادا ونسقا، والصرف استقامة ورونقا، والعروض نظما وانسجاما، والقافية وحدة والتئاما؛ فكان يضع في كُلٍّ المسائل، ويصلح الهفوات، ويكشف الحقائق، ويخترع الطرائق، ويدخر ألمعيته، ويستثمر عبقريته، ويُعمل بديهته، ويُفعِّل رويته، ويستغل موهبته:" كما يستغل المالك ضيعته"، ويرسم طريقته السديدة، وينفذ خطته الرشيدة، بمنهجه القويم في التحصيل والتحقيق والتأليف، ومدرجه السليم في النحو والعروض والتصريف، وأسلوبه الماتع في الشرح والتحليل والتعريف، بملكة رابية، وقريحة صافية، وهمة عالية، ونفس عزيزة لم يحبسها عن العلم حابس، وكان ليثا هصورا إذا عبث بشرف اللغة عابث، وفارسا مغوارا إذا مس عرضها لامس؛ إذ يوجد في لسانه نور من الحكمة والعلم، وفي قلمه برهان من المعرفة والفهم؛ فكان كما قال شاعرنا:
" فلم يختلف في مدحه اثنان: سافل يجهل ولا من صدرته المنابر".
والحق أن الشيخ قد راض العروض والدوائر، وراد منه البحار الزواخر، وتنسم علل قوافيه الأزاهر، وكشف عن درها في المحاضرات الفواخر، وأطلق رويها في المحابر، وراز أوزانها ورسم صورها في الدفاتر، وكانت محاضراته كالروض تتمايل فيه الأفنان، وشروحه كالأيكة تتراقص فيها الأغصان، ودروسه كالمعبد تنشد فيه الترانيم في الأركان، وحلقاته كالمسجد يتلى فيه القرآن، ومكتبه كشجرة بها أطيار وأعشاش وخلان، تلقى بها الأشعار والألحان، وعلى حفيف أشعاره ونسيم تفاعيله وأغاريد زحافاته - تتراقص الأوزان؛ فيأتلف من دندنات تلاميذه وتنتنات أحاسيسه وضربات عكازته "[[لحن الوفاء"]] العروضي البديع كأنه من ألحان السماء، فيه صفحة الدنيا في الإشراق والإمساء، حيث: الشموس والأقمار، والأضواء والأنوار، والأطيار والأشجار، والورود والأزهار، والسفوح والتلال، والهضاب والجبال، والكثبان والرمال، والظباء والجَمال، والخيول والجِمال، وهجعة الليل وطيف الخيال؛ فمحاضراته بغية للطالب ومنية للراغب؛ فكان كما قال شاعرنا:
" يبني الرجال وغيره يبني القرى شتان بين مَزارعٍ ورجالِ".
[[وأما صفاته ومحامده وورعه وزهده وحقيقة العلم عنده]]:
فقد كان الشيخ منشغلا بالعلم والفكر، ومهتما بالقرآن والشعر، وهذا أطيب للنفس في المناقشة والطرح، وأسلم للدين في التحليل والشرح، وأصون للعرض من الخوض في القال والوشايات، وأمنع للشرف من الوقوع في القيل والشائعات، وكان يلازمه طول حياته القصد والكد، ويُخرِج آراءه من جذر فكره بكل نشاط وجد، ويعدو كالفهد على الطلب فيرجع بالنوال، ويغدو كالصقر على التحصيل فيروح بالمراد، ويغوص كالحوت في بحار العلم فيظفر بالدر، وكان علو همته أفضل طريق لنبوغه، وقوة شكيمته أحسن وسيلة لنجاحه، وكان يداوم على طلب العلم، ويلزم صفة العاقل اللبيب، فيؤثر الصمت، ويفضل حفظ اللسان، ويلازم الحياء، ويترك القحة والبذاءة، ويهجرالسفاهة والطعن ، ويبغض التنابز واللعن، ويزجر التجسس والتحسس وسوء الظن، ويحب التواضع، ويجانب الكبر، ولا يداهن في علاقاته، ولا يتلون في وداده، ويكره العجلة، ويرضى بالشدائد ويصبر عليها، ولا يقبل قول الوشاة، ويقبل الاعتذار، ويقيم المروءات، ويلين الجانب، ويصدع بالحق، ويعين على الخير أولي النهى، ويذكر بالفضل أولي الحجا، ويقصد في الاختصار، ولا يمعن في الإكثار، وييسر على مريديه، ويُسَهِّل على مستمعيه؛ فهو ذو الدين والتقى، وخدين العلا، وترب الندى، وخليل الوفا، وإلى جانب أخلاقه السامية كان يتعمق في بحثه، ويمعن في فحصه، ويخلص في درسه؛ فالعلم عنده شمس نافعة، ونهر ذاخر، وليس بضاعة تباع ولا سلعه تشترى، ولا حرفة تحترف، ولا منصبا يُراد، ولا راتبا يقبض، وإنما غاية يسمو إليها، وتسمو إليه.
وقد عانق الشيخ المحامد والمكرمات، وصاحب المجد في التأليف والمحاضرات، ولازم العفاف والأدب في الطرح والمناقشات؛ فكان البحرَ الذي يأنس به مُجالِسُه، والحَبْرَ الذي تنعم به مَجالِسُه، و يتحفظ العلماء عند مخاطبته، ويتأدب الطلاب عند مكاتبته، ولا يتناجى اثنان عند محادثته، ولا ينمُّه الناس إذا غاب ولاينمهم إذا غابوا، ولا ينطقون بالسوء إذا حضر ولاينطق بالسوء إذا خلا، وطلابه يتَّقون بوادر أمواجه، وينعمون بجواهر أصدافه؛ فله حين يلقاهم بديهة لا تُعارَض، وروية لا تُعاضَد، وشأن لايُترَك، وشأو لا يُدرَك، ورأي لا يفل، وفكر لا يند، وتحليل لا يشذ، وقياس في الاستنباط لا يُكسَر، وجواب عن السؤال لا يُقطَع؛ فهو ذو قدر شريف، ورتبة جليلة، ومحل نفيس، سمت إليه المكارم، وتسور إليه الشرف، وصعدت إليه فروع العز، وارتفعت إليه ذرى المجد؛ وظل سليم الطوية، حي الضمير، نقي السريرة، و" ما في جنانه موافق للسانه"، وكان للعلماء أحسن ذكرا، وللعلم أطيب نشرا؛ إذ يحفظ للعلم ثغرا، ويلم للتراث شعثا، ويسد للطلاب ثُلَما، ويعالج للباحثين خللا، بقوة صوابه، وصفاء طبعه.
وكان الشيخ عالما في شخصه، وأمة في نفسه، وأستاذا في درسه، وعاملا في حرصه، وذكيا في عقله، وطاهرا في قلبه، وإنسانا في وجدانه، وكان ضميره في اشتغال بالله، وقلبه منتصبا برضا الله، وكان مثالا وقدوة في كِبَر نفسه لا كِبْرها، وعلامة وقامة في علو همته لا انهمادها، وشيمة وقيمة في عز جنابه لا استكبار جانبه؛ فغدا لسانَ العلم في عمله، ومثالَ الأدب في قوله، وأخلاقه قلعة باذخة حرصت المروءة من أطرافها، وآدابه ذروة سنام شامخة صانت الحرية من أكنافها، فصار آية: في أدبه وعلمه، وفي جوده وكرمه، وفي مجده وشرفه، وفي نبل خلقه وبشاشته، وفي حسن عشرته ولباقته، وفي صواب رأيه وحنكته، وفي تقواه وزهده في الحياة، وفي بعده عن الأهواء، وفي كمال خصاله وانفراده عن النظراء، وفي تفضيل أقواله على اجتهادات الفضلاء، وفي ترجيح آرائه بين العلماء؛ فأمسى بدرَ الدار الذي أشرق في فضائها، وثريا السماء الذي علا في أجوائها.
وكان الشيخ يحب الأخلاق ومكارمها، "و المكرمات قليلة العشاق"، وكان لصمته بهاء وجلال، ولنطقه عقل وكمال، وكانت مرافقته مغنما، ورفقه يمنا، وأناته سعادة، ورويته نجاحا، وكان يتقي الكيد، ويجنح للمودة، ويركن للتصافي، وينأى عن التجافي، وكان يعمد للأعف الأجمل، ويصنع المعروف والضغائن لا يحمل، وطالما أخبرت عن علمه الأقلام والمحابر، وتحدثت عن نتاجه الأوراق والدفاتر؛ فساد بخلقه، وعلا بعلمه، وارتفع بعقله، وبلغ من العزيمة منتهاها، ومن الهمة مبتغاها، وكان كالسراج يجلو دجى الجهل عن طلابه، ويتواضع لهم تواضع الوالد لأولاده، ويخشى عواقب الأمور في علمه وعمله، وفي حياته وآخرته، ولسان حاله يقول:
"- فازدد بعلمك خشية وتواضعا تزدد بذاك نباهة وجلالا
- وارغب عن الدنيا الدنية إنها أضغاث أحلام تزول زوالا
- كم عالمٍ كانت عليه علومه يوم القيامه حجة ووبالا!"
وجدير بالذكر أن الشيخ كان قوالا للحق ولا يجرح، وعفوًّا عن الناس ولا يقدح، ولا يصعر للطلاب خدَّه، ولا يجاوز مع الأقران حدَّه، ولا يُنْغِض إلى زميل رأسه، ولا يظهر على التلاميذ بأسه؛ فقد زينه الكمال، وقومه العقل، وقدمه الفضل، وحسنه العلم، وأعلته الرجاحة، ورفعته السماحة، وستره إنصافُه تلاميذَه وجبره، وأيده إسعافُه طلابَه ونصره، وكان لا يخطئ في قوله، ولا يداهن في فعله؛ فأقواله درر نفيسة، وأفعاله غرر عزيزة، فكم حقلٍ علمي بذر بذوره ووطَّد أركانه!، وكم من بستان علم زرع أشجاره وجدد بنيانه!، بغزارة علمه، وسعيه الحثيث نحو حلمه، وبخلاله المعدودة، وخصاله المحمودة، وهمته المشكورة، وعزيمته الموفورة، وبكمال في براعته، وصلاح في شجاعته، وبفصاحة في نطقه، وسجاحة في خُلقه، وبروحه الزكية، وأحلامه الذكية؛ فكان يستفرغ طاقته بصهيل قلمه، و ويحقق بلغته بصرير ورقه؛ فكان طلابه من علمه يُعَلُّون، ومن فهمه ينهلون، ومن حفظه يكرعون، ومن أقواله يعون، ودائما يجود عليهم بعلمه وآرائه، كما يجود النيل بمائه ونمائه؛ فكان كما قال شاعرنا:
-" فتى جوادا أعار النيلَ نائلُه فالنيل يشكر منه كثرة النهَل".
وعُرِفَ عن الشيخ عفوه عن شانئيه، وإعراضه عن حاسديه؛ فكان لا يعرف اللمز، ولا يمارس الغمز، ولا يقرب التجسس، ولا يقترف التلصص، ولا يخادن الارتياب، ولا يصحب الاغتياب، ويحفظ العهد والميثاق، ويلتزم مكارم الأخلاق؛ فمكارمه الطيبة لا تتبدل، ومعاملته الحسنة لا تتحول، وكان يجبر الخواطر ويقبل الأعذار، ويقيل العسار، ويؤلف القلوب ولا يجلب الأضرار؛ إذ نُزِعَت من نفسه كوامن الشحناء، وقُشِعَت من قلبه سحائب اللأواء، ولم يكن" يجمع أبواب المخازي على ضلال" بل كان في صمته البهاء والرشاد والكمال، وفي قوله الهيبة والعزة والجلال؛ فخفاؤه ظاهر للأبصار، وحقيقته جلية في وضح النهار؛ فقد شهدت محامده بعلاقة مع الله أسمى وأتقى، وصرحت أخلاقه بصلة مع النفس أجلى وأنقى، وأعلنت مكارمه عن وشيجة مع الناس أصفى وأرقى؛ فكان كما قال شاعرنا:
-" كان لا يستريح إلى الدنيا ولذتها ولا تراه إليها ساحب الذيل".
[[وأما مرضه وموته]]:
فقد ابتلى الله أستاذنا بالأمراض في أواخر أيامه فصبر ولم يجزع، واختبره بالعلل فرضي ولم يسخط، وإن كانت نفسه من التعب قد غثيت، وأسنانه من الألم قد ضرست، وعينه من الحزن قد سدرت، ورجله من التعب قد خدرت، ويده من المرض قد مذلت؛ فإن لسانه ظل يلهج بذكر الله وأوراد القرآن والعلم إلى آخر أنفاسه؛ فتركته الأوصاب كالفضة النقية المصفاة، وهجرته المصائب كاللؤلؤة الشفافة المجلاة؛ ففاضت إلى الله نفسه وفاظت بقدرته، وصعدت إلى السماء روحه[[ عصر يوم السبت الموافق: ٢٥ -٢-١٤٤٨هج= ٨- ٨- ٢٠٢٦م]] وفازت بمشيئته، وأعطاه الله ما يرجوه ويتمناه بإذنه، وآمَنه مما يخافه ويخشاه بعونه؛ إذ صبر في أيامه الأخيرة على مرضه واحتسب حياته، حتى قضى الله وفاته؛ ففاضت نفسه بعد مسيرة شهدت بمحامده وأعماله، وصعدت روحه بعد مسيرة أعلنت عن أمجاده وأفعاله، وكان حِمام الموت قد نَقَّب عنه، كما يفتش" في الآفاق عن كل فاضل"؛ فكانت مصيبة موته كما قال شاعرنا:
" - لعمرك ما المصيبة هدم دار ولا شاة تموت ولا بعيرُ
- ولكن المصيبة موت حر يموت بموته خلق كثيرُ".
والموت يفجأ ويباغت، ويَغمُض ميقاته، رغم وضوح آياته، فلا تمنعه النفوس، ولا تدفعه الأبدان، ولا تقاومه الأرواح، ولا تفارقه الأتراح، ولا تصالحه الأفراح، ولا تصارعه القوة، ولا تحاربه الصحة، ولا تطاوله العافية؛ فيحشرج في الصدر صوته، ويرجرج في الجوانح صداه، ويغرغر في اللهوات نزعه، ويخرخر في الحلقوم جذبه، ويُسمَع في صمام الآذان دويه، ويُرَى في دموع الأعين أثره، وقد أنشبت المنية في شيخنا أظفارها، واشتعبته شَعُوبُها؛ فأمسى عن الأقران مُشْتَعَبا، وبات بوادي الموت عن الأحباب منفردا، وليس" في الموت بين الناس عار"؛ فقد وافاه حِمامه، واستأثر الله به، ونُقِل إلى دار كرامته، وواراه رَمْسُه، وحواه لحده، وغُيِّبَ في مطمطمة" لا أهله فيها ولا ولده"؛ فكان كما قال شاعرنا:
"- أناخ الموتُ كلكلَه عليه؛ فأمسى وهو في الأرماس فردُ".
وقد ترك موت أستاذنا في الرأس صداعا، وفي العين عائرا، وفي اللسان قلاعا، وفي الحلق عذرة، وفي الصدر ذبحة، وفي الظهر خزرات، وفي الضلوع شوصات؛ فقد مات بموته عِلْم، وانتكس بوفاته عَلَم، وهوى بانقضاء أجله نجم، وجف بتوسده في قبره نهر؛ لأن أستاذنا" بنيان قوم تهدما"؛ إذ غرب نجمه بين الجنادل، وقضى موته على العلم والشمائل؛ لأن" سهم الموت بالذخائر مولع"؛ فذرفت عليه الدموع السوافك، وصارت تفعيلات العروض بعده من الأسى خاشعة، و(أوتادها) من الحزن (مخلَّعة)، وعللها من الغم (مصرَّعة)، و(زحافاتها) من الهم مقفرة، وبحارها من النصَب مسجرة، وألفاظها كالضريع، ومعانيها كالشوك لا تثمن ولا تغني من جوع؛ إذ خُسِف بدر العروض بعد ما اتسق، ودعت بحاره ثبورا، وفجرت بعد سكون أمواجها واعتدال صورها، وحارت أوزانه بعد كَوْرها، وبعثرت بعد استواء سوقها وتنسيق تراكيبها، وانفطرت الأعاريض بعد اتزانها، وانتثرت التفاعيل بعد اجتماعها؛ فكان أثر موته كما قال شاعرنا:
"- رأيت المنايا تصطفي سَرواتنا كأن المنايا تبتغي من تفاخره!".
وقد أنفذ الله في شيخنا مشيئته بقدرته، والموت" أخوذ لا يُقيل ولا يَرُدُّ"، وأمضى فيه إرادته بعزته، وللموت" حكم يُطاع ولا يُرَدُّ"؛ فأقبل شيخنا على ربه وفق الآجال والأقدار، وقضاء الله حاكم في المصائر والأعمار؛ فالله قائم على نفوس خلقه وآجالهم وعالم بتقلب أطوارهم وأحوالهم، وقد فقدنا شيخنا فقدان الربيع؛ فأضحي العروض عُطلا لاحَلْي له، وأرضا جرداء لا ظل فيها، وأمست القوافي يَبَابا من أطرافها، وباتت التفاعيل خرابا في أصنافها، والدار راجفة رادفة؛ إذ أغمد الموت سيفه في هامة ابنها البار، وقلوب أهلها خاشعة واجفة؛ إذ غاب عنهم بدر الظلام وشمس النهار، و" رَدُّ أمر الله لا يُستطاع"؛ فأصبحت مدرجات الدار ذاوية مقاعدها، وأصاب المحاضراتِ (طي) و(خبن)؛ فكان سهم الموت الذي وُجِّه إلى شيخنا كما قال شاعرنا:
"- وليس له سوى الأعمار حَاجٌ فيأخذ ما يشاء ويستبدُ".
والحق أن الموت قد هجم على الدار ببوائقه، وأجهز على شيخنا بطوارقه؛ فوقع خبر موته كالصاعقة، وأصم الأذنَ سمعُه، وفطر القلبَ وقعُه، وأسخن العينَ وصولُه؛ فصارت عَبْرى، وأحرق الكبدَ وقوعُه؛ فغدت حَرَّى؛ فقد ارتحل إلى دار القرار والدمع في أعيننا قد وَكَف، وغابت عن الدار شمس النهار والحزن في نفسونا مُعتكِف، وعلى مثله تطول الحسرات، وتسيل العبرات؛ فموته همٌّ قادح يتطلب التعزي والتصبر، وفراقه غمٌّ فادح يستوجب التأسي والتذكر؛ فحوض الموت للعالمين- لا شك- مورود، وكأسه للثقلين- لا ريب- مشروب، وهكذا شمس الأفاضل تأفل وتغيب، وقد ظفر حزننا عليه بسرورنا بغيره حقا، وقضت القوافي عليه نحبها صدقا، وضاع في النحو العامل والمحل، وتاه عن (الإسناد) الفعل (السالم) و(المعتل)، وأصاب الأوزان (قطع) و(خبل)، وصار روض العروض هشيما، وأمست بحاره رمالا؛ ف" من ذا سيبحر بعده بسلام؟!".
[[وأما تعزية الدار وتلاميذه وقسمه ومنسوبيه ورجاله]]:
فإن دار العلوم عزيزة مباركة عند الله بعلومها ورجالها؛ فهي سليلة" علي مبارك "، ذات الأصل الراسخ، وصاحبة الفرع الشامخ، وربة المجد الباذخ، ومليكة النسب الشادخ، وأميرة الحسب الزالخ، ولقد زين الله سماءها بنجوم العلم ومصابيح الهدى؛ لتكون لأولي النهى شرفا، و" لآذان المعالي شنفا"، ولأصوات العلوم زئيرا، ولعقول الناشئة ماء نميرا، وإن أعلامها الذين قضَوا هم المصابيح المنيرة التي انطفأت، والحصون المنيعة التي تهدمت، والشموس المضيئة التي أفَلَت، وأنهار العلم الفائضة التي جفت، والرياض اليانعة التي اغتالتها صروف الليالي، والفرسان البواسل الذين أقبلت عليهم سهام المنون ولا تبالي، وكأن الدار قد ولت إثرهم؛ فكانوا كما قال شاعرنا:
"- بناة دعموا للدين صرحا وأعلَوا من بناء الضاد ركنا
- وما فتئ الزمان يدور حتى تهاووا بيننا حصنا فحصنا
- أولئك معشر كانوا كراما فعزُّوا في ظلال المجد شأنا".
وإن دار العلوم قد حطمتها مصائب الموت، وأجحفت بها نوائب الفوت، وأغارت فجائع الدهر على صنائعها، وسطت نوائبه على مواهبها، وهجمت جوائحه على منائحها، وعدت نوازله على فروضها ونوافلها، وقضت عواديه على نجبائها وأياديها؛ فصرعتها نُوَبُه، وقرعتها نُكَبُه؛ إذ غرب بدرها، ونضب بحرها، وانقصف سيفها، وانخسف كهفها، وتحطمت صخرتها، وانهدت قلعتها، وانصدع وتدها وجبلها، وخَفَت جمالها وصوتها، ومات سبعها وجملها، وأُلقِي على غاربها حبلُها؛ إذ افترس الموت ليثها، واختلس حِمامه غيثها؛ فانقضى حسنها، وانطوى يمنها، وانكسر درعها، وابيضت عيناها حزنا، وتفتر قلبها كمدا، ولكن "المثوبة على قدر المصيبة".
أيا دار: دارت بك الأيام دورة العكس، وترك موت شيخك غصة في النفس، وماضيك التليد ذهب غابره، وحاضرك الطريف اعتل آخره، واستصحبتك الأحزان، ولازمتك المآسي، ومسك الإعلال والضر، وأذعنت شمسك للمغيب، وظهرت فيك علامات المشيب؛ فقد (قطع) الموت (وافر) آمالك، وبتر (مديد) أحلامك، و(قبض) (بسيط) أمنياتك، وأضمر (كامل) طموحاتك، وبطَّأ (سريع) (حركاتك)، وأوهن قوة عظمك، و(صَلَمَ) (أسباب) أوتادك، وأشعل شيب رأسك (بقطف) أولادك، وقيد (رويك) الطليق، وكشف عن (سنادك) وأحزانك، وعزم عليك بالفراق مناديا، وليس لداء الموت طبيب يحيل التنائي تلاقيا؛ فقد أظلمت أجواؤك، واكفهرت سماؤك؛ فكانت حالكِ كما قال شاعرنا:
"-يا دار غيرك البلى فمحاكِ يا ليت شعري ما الذي أبلاكِ؟!".
وأقول حقا: لقد فقدت دار العلوم بموت أستاذنا قشيب ربيعها، ولبست مشيب زمانها، وغابت عنها نضرة النعيم، ونزلت بها من الدهر قارعة، ورجفتها من الموت راجفة، وأخذتها من الفوت زلزلة؛ لأن الموت قد اغتام أحد أعلامها، واستأدى من أعز كرامها؛ إذ مات عنها وليها الحميم، وابنها البار الكريم، بعد ان استصحب زاده من الهدى والتقى، وخلَّف تراثه من العلم والعلا، وإن قضاء الله في الفراق فصل، وقدَره في الموت عدل، ولانملك إلا أن نسلم لما أمضاه، ونرضى بما قضاه، وللدار مغانم الأجر الجزيل، ولها عزائم الصبر الجميل؛ فقد انهد منها طود منيع، وزال عنها جبل رفيع؛ إذ انثلم بعده حد القلم، وبان وراءه عِيُّ الكلم، ونُدِب خلفه الحلم، ونُعِي إثره الفهم، وأقيم على قبره مأتم العلم؛ فكان الأمر كما قيل: الموت قناص، " والمنايا رصد".
وقد انفرد شيخ الدار في التراب، وتوقف لسانه عن السؤال والجواب، وسكت عن الحوار مع الأتراب والطلاب، وصُمَّ عن الكلام والخطاب، وأقلع قلمه عن التصويب والكتاب؛ إذ غاله غول الموت والتراب، واغتاله حِمام الفوت والغياب، لكنه خلَّف وراءه العلا من تراثه، وترك المجد لِوُرَّاثه، وقد فقدناه فقدان البدر في ليلة ظلماء؛ فعطلت الدار عن حليها وبدرها، وأصبح نورها ظلاما،" وفي الليلة الظلماء يُفْتَقَد البدر"، وأضحى ماؤها سرابا، وأمست أطرافها (مقبوضة)، وباتت قلعتها مهدودة، وتلثمت شمسها ببرقعها وكُسفت، وتلفعت سماؤها بالبكاء وانفطرت، وفاضت مدرجاتها بالدموع وانهمرت؛ فلعل الله يعظم أجرها في ابنها، ويجزل عطاءها في تلاميذه، ويَسُرُّها في أقرانه، ويعوضها فيما ادخر لها، ويصبرها على ما أُخِذ منها؛ لأن شيخنا" على مثله تبكي البواكي".
وإن الله عز وجل قد ارتجع أكرم العواري بقدرته وإرادته، وبَلَّغ دار العلوم أفضل الأماني بهِبته ومِنَّته؛ فكما امتحنها بأعظم الأهوال؛ فقد تفضل عليها بأحسن الآمال، وفي الحي الموجود عِوض عن الغائب المفقود، وإن مخايل ليوثها التي قضت، وصقورها التي مضت، تلوح في أشبالها وهياثمها؛ فمجدها باسق عريق، وشرفها سامق أنيق، فأبناؤها السابقون الذين سلفوا لهم في المجد دعائم ومهد، وأبنائها الحاضرون الذين خلفوا لهم إلى العلا آمال وقصد، وفيهم الخير والبدل، وعليهم يُعقَد الرجاء والأمل؛ فهم أصلح خلف، لأفضل سلف، وأنجب الفروع، لأكرم الأصول؛ فبهم يجبر كل كسر وكسير، ويسهل كل عسر وعسير؛ ففي قسم النحو (سبعون عالما) ونقيبا، يخلفون الشيخ في علمه، وغيرهم كثيرون زاملوه أوتلمذوا له، ولاشك أنهم جميعا سيقابلون عظيم البلاء بالصبر والعزاء، ويواجهون أمواج الابتلاء بالرضا والدعاء؛ فكانوا كما قال شاعرنا:
"- سعت للمكارم آباؤهم وكانوا بنيهم فما قصَّرُوا
- هم القوم إن نالهم نكبة من الدهر في حادث يصبروا".
[[ وأما الترحم عليه والدعاء له، وإنشاده لحن الوفاء]]:
فإن الشيخ مفقود نظيره، ومعدوم مثيله، ومجهول شبيهه؛ فَعِرْنِينُ النحو بعده أجدع، وبنيان الصرف وراءه تصدع، وروض العروض خلفه بلقع، وكل ذي علم ما زال عليه يجزع، وقد بكاه الدين والتقى، وفقده النوال والندى، ونعاه العفاف والعلا، ورثاه العلم والحجا؛ فالصبرَ الصبرَ -ياربنا-على فراقه، والرحمةَ الرحمةَ به لعلمه وأخلاقه، والشكرَ الشكرَ على بقاء علومه وآثاره، والحمدَ الحمدَ لوجود كتبه وأفكاره؛ فقد ثلمت أمجاد الدار بموته وانقطاع محاضراته، وسلم حاضرها بالاغتراف من كتبه ومؤلفاته، وغنم مستقبلها باكتناز بحوثه وكتاباته، ولعل في تلاميذه أعواضا، وقد ندبته أندية الأدب والشعر، وأَبَّنَتْه معاهد العلم والفكر، وبكته قوافي الشعراء، ورثته مقالات الأدباء؛ لأن الرُّزء فيه جلل؛ فهو " عماد قوم تهدما"، وبناء دار تقوض، ورواق علم تحطم، وهكذا العلماء الأبرار، حين تخلو منهم الديار، وتقفر منهم المنازل، وتيببس الرياض، وتغيض المجالس، وتَصْمُت الحِلَق، وإن كان الموت قد خَلَّى شيخنا وأرداه، والقبر قد ضمه وحواه؛ فإن الثناء نشره وأعلاه، والعلم أبقى أثره وأحياه، وإن كان غيابه قد ناب عن حضوره، وحلت ذكراه محل ظهوره؛ فإن كتبه تتكلم بلسانه، وبحوثه تفيض ببيانه، وإن بدا الشعر من بعده قلق الأوزان مضطربا، والعروض أمسى بعده معيب القوافي ومغتربا؛ فإن أناشيده وعروضه سيبقيان أنغاما وموسيقَى لألحانه؛ فكان أثره كما قال شاعرنا:
"- وجميل ذكر المرء أفضل كسبه والمرء يفنى والثناء يدوم".
وسيظل ذكر الشيخ أريجا من النسائم والأزهار، وسيضوع ذكره شذى مع الأيام والأفكار؛ فهو العالم الفذ الهمام، وأحد أبناء الدار الرتاة الأعلام، قد حضر إليها كما تحضر الأنسام، ثم توارى كما يغيب البدر خلف الغمام، واستله من بيننا سهم الحِمام؛ فاللهم لا راد لقضائك، ولا سخط على بلائك، ابتليت فرضينا، وقبضت عزيزنا فاحتسبنا؛ فأذقنا برد رحمتك، وألهمنا جميل صبرك؛ فما أصعب فراق أستاذنا!، سقاه الله شراب الجنة من أباريق العسجد، وأذاقه خمرها من كئوس الزبرجد، وأسمعه قرع قوارير الفضة الموضونة، وأجلسه على النمارق المصفوفة، ومتعه بالزرابي المبثوثة، وأكرمه في الجنة بأسواق الكلام، وأنعم عليه بموائد الطعام، وأتحفه بمجالس العروض والغناء، وأسبغ عليه نِعَمه من الرياض الخضراء، وأسمعه أصوات الحور القيان، وحباه القصور وخدمة الولدان، وأحل عليه الرحمة والغفران، وأناله جنة الفردوس والرضوان، وكان أمر دعائي له كما قال شاعرنا:
"- وكان كثير ما أهدي قليلا لمثلك فاقتصرت على الدعاء".
وأنا في غمرة الدعاء لشيخنا الصالح العلم، وأقَلِّب في ذاكرتي فيما بيني وبينه من وشائج رحم؛ فإذا بي أتخيله في لوحة الجنة، ينشد للحور [[لحن الوفاء]]، وعكازته قد بعثها الله شجرة عظيمة وارفة الظلال؛ فاقتربتْ بأغصانها، وأقبلتْ بظلها، وماست بأفنانها، وأصغت لِلَحْنِه في الحال؛ فثنته بحنينها وأنينها عن حور الجنان؛ فتوارت الحور بالخيام وأعينهن تفيض بالأحزان، كما أثنته عن نساء الدنيا وجمالهن الفتان؛ فصانها في عميق كيانه، وبقيت مليكة إيوانه؛ فتدللت وتمايلت، وحملته على أحد أفنانها متمايلة كأنها أرجوحة، وأنشدها لحن الوفاء على بحر الكامل ونفسه مشروحة، وهو الكامل في الجنة المديدة الفسيحة، اصطفى لها من ديوانه[[ بكائية النغم النافر]] قصيدته الماتعة[[ لحن الوفاء]] الوافر؛ فأنشدها إياها؛ فأبكاها، وأبكى أهل الجنة حولهما ؛ فخرجوا من قصورهم وخيامهم يسمعونه، وهو ينشد قائلا لعكازته:
"- آثرتِ أن تبقَي بظل حناني ورفضتِ فيَّ وشاية الإخوان
- وحلفتِ بالأقدار أن لن تتركي ودِّي ولن تدعي الحياة عِناني
- وجعلتِني أنسى غداة تمزقت يمنايي بين دقائق وثوانِ
- وعرفت فيك صديقة لا تنثني ورفيقة أعيت قوى الحَدَثَان
- كم من لعوب قد أتت ودلالها يُغرِي بها لبي ونبض جناني
- كادت تُزيحكِ عن حِماي بحسنها وتمد في أفقي ضياء أماني
- أسرت نهاي بقدها فسجدتُ في دنيا من السحر الشفيف العاني
- وظننت أن سأعود في أحضانها طفلا أعيش نقاء عمر ثاني
- لكن سهمكِ غالها فترنحت وهوت تحوقل حولها العينان
- وفاقتكِ قدَّا وانفردتِ بخفة فأذبتِها في جفنكِ الوسنان
- ومحوتِ ذكرى عشقها من خاطري وبقيتِ أنت مليكة الإيوان
- تُبدين ما ملكت يمينك من هوى وأنا أصونك في عميق كياني
- فتدللي ما شئت فاتنة السنا وتمايلي بي في ربى الإيمان
- وثقي فقد أيقنتُ يا [[عكازتي]] أني رضيت بمنحة الرحمن".
وقد أغمضت عيني وأصغيت إلى لحن الوفاء، كأني هناك مع الحور وأهل الجنة أسمع النشيج والبكاء، فبكيت ولم أتحمل زلزال اللقاء؛ ثم أبصرت ففوجئت بصوته في مدرج [[10]] ينشد لبشار:" وأي الناس تصفو مشاربه"؟!؛ فأفقت، ووئبت، وأيقنت أن الشيخ قد مات، وأن اليتم قد حل بالعلم، و" ومن رُزِئ الصلاحَ يتيم"؛ فقلت في نفسي : أيا ترى من سيبحر في العلم بعده بسلام؟!، ومن سينشد من بعده [[لحن الوفاء]] من الأعلام؟!، ودارنا نجوم خر من بينها بدر التمام، وسيبقى سرادق مجده على المدى ممدودا، ويظل مسير حياته محمودا، ويصبح ويمسي صدى موته في نفوسنا موجودا.
رزق منصور في رثاء أستاذه:
فجر الجمعة الموافق:
٢٢- ٣- ١٤٤٨هج
٤-٩- ٢٠٢٦م

التعليقات والآراء
شارك برأيك وانضم إلى الحوار
سجّل دخولك لإضافة تعليق أو الرد، أو أنشئ حسابًا جديدًا للتمتع بمزايا حفظ المشاهدة والدورات والشهادات.
رضيَ الله عن شيخنا وأعلى درجته في الجنة، وبارك الله فيك حبيبنا الدكتور رزق وفي أخينا الدكتور صفوت .
جزاك الله خيرا دكتور أحمد ورضي الله عنك
رضي الله عنكم فضيلة الدكتور رزق