نثر
فقدٌ يعصف القلب
فقدٌ يعصر القلب
ما كنتُ أحسب أن يأتي يومٌ أكتب فيه عن أستاذي بصيغة الماضي، ولا أن تنقلب الكلمات التي كانت تخرج من فيه علمًا وحكمةً إلى ذكرى أستعيدها، ولا أن يكون عليّ أن أقول: رحم الله أستاذي، بدل أن أقول: لعلّي ألقاه في كلية دار العلوم.
إن بعض الناس لا يغيبون حين يغيبون؛ لأنهم قد أودعوا في أرواحنا شيئًا من أرواحهم، وغرسوا في عقولنا من أثرهم ما لا تقتلعُه السنون. فإذا مضوا، بقيت آثارهم تتردد فينا؛ كلمةٌ قالوها، ونصيحةٌ أسدوها، وموقفٌ لا ننساه، وفضلٌ كلما حاول القلب أن يشكره عجزت عنه العبارة.
ومن هؤلاء الذين أوجعني رحيلهم، وأثقل الفقدُ قلبي لفقدهم، أستاذي الجليل الدكتور شعبان صلاح حسين، أستاذ النحو والصرف والعَروض بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة.
عرفته منذ عام 2005، وكان يومها وكيلًا للكلية لشؤون الدراسات العليا، وتتلمذتُ على يديه حتى فرغت من مرحلة الليسانس عام 2009. ثم شاء الله، وما أجمل ما يشاؤه الله لعبده، أن يردّني إليه مرةً أخرى في عام 2011، فدرّس لنا مناهج البحث في تمهيدية الماجستير.
وما كان العلم عنده درسًا يُلقى ثم ينقضي بانقضاء ساعته؛ كان العلم عنده روحًا تُحبّب إليك العلم قبل أن تعلمك إياه.
كانت له روحٌ مرحة تُدخل الأنس إلى المحاضرة، وتفتح للعقول أبوابًا كانت تبدو موصدة، حتى كنا نخرج من مجلسه ونحن لا نشعر كيف مضى الوقت، ولا نريد له أن يمضي. وكانت كلماته، على عفويتها ودفئها، تستقر في الصدور استقرار الشيء الذي يجد له في النفس موضعًا معدًّا منذ البداية.
ولقد علّمني أستاذي أن الأستاذ قد يعلّم الطالب علمًا، وقد يعلّمه كيف يكون طالب علم؛ والأولى معرفة، والثانية أثرٌ في الإنسان.
ولم يكن لي نصيب أن أسجّل معه رسالتي للماجستير، فقد ازدحم جدوله في عام 2012 بكثرة الرسائل التي كان يشرف عليها، فحال ذلك دون أن يكون اسمه مشرفًا على رسالتي. غير أن فضل الأستاذ لا يُقاس بما يُكتب على صفحة الغلاف؛ فقد ظلّ أستاذي، وظلّ بابه مفتوحًا لي، وعلمه مبذولًا، ونصحه حاضرًا.
منذ كتابة الخطة، إلى البحث والكتابة والتبويب، وما قبل المناقشة، لم يضنّ عليّ بمعلومة، ولم يحبس عني توجيهًا، ولم يجعل من العلم ملكًا خاصًا لصاحبه، بل كان يعطيه كما يعطي الكريم من ماله: لا يرى فيما يعطيه نقصانًا، ولا ينتظر عليه جزاء.
وكم من كلمة قالها لي ما زالت محفورةً في ذاكرتي!
وكم من توجيهٍ ظننته يومًا تفصيلًا عابرًا، فإذا بي بعد السنين أعرف أنه كان من الأشياء التي تصنع في الإنسان فرقًا لا يشعر به إلا حين ينظر إلى الوراء.
كان أستاذًا، نعم، ولكنه كان شيئًا أبعد من الأستاذ.
كان أبًا من آباء العلم؛ يحب أبناءه، وينصحهم، ويأخذ بأيديهم، ويفرح أن يراهم يمضون إلى الأمام، حتى كأن نجاح تلاميذه كان بعض نجاحه، وبلوغهم بعض ما كان يرجوه لنفسه من العلم.
وهكذا يترك بعض المعلمين في تلاميذهم علمًا، ويترك بعضهم سيرةً، ويترك بعضهم قلبًا يعرف بعد الرحيل أن يدًا كانت قد امتدت إليه ذات يوم، وأن صاحبها لم يكن عابرًا في طريقه.
رحمك الله يا أستاذي.
لقد مضيتَ، وبقيت كلماتك.
مضى الجسد، وبقي العلم.
وغابت الصورة، وبقي الأثر.
وهذا هوَ عزاؤنا فيمن نحب من أهل العلم: أن الموت يأخذ أجسادهم، لكنه لا يستطيع أن يأخذ ما أودعوه في العقول والقلوب؛ فكم من حرفٍ علّمه أستاذٌ بقي حيًّا في لسان تلميذه، وكم من فكرةٍ أضاء بها عقلًا انتقلت منه إلى عقول لا يعرفها، وكم من أثرٍ طيبٍ ظل يمشي في الناس بعد أن توقف صاحبه عن المشي.
اللهم إن أستاذي قد أفضى إليك، فكن به أرحم منّا، وأكرم به منّا، واجعل قبره نورًا وسعةً وطمأنينة.
اللهم اجزه عن علمه خير الجزاء، وعن تلاميذه خير الجزاء، وعن كل حرفٍ علّمه، وكل عقلٍ أناره، وكل يدٍ أخذ بها طالبًا، وكل نصيحةٍ بقي أثرها بعده.
اللهم اجعل علمه الذي يُنتفع به صدقةً جاريةً لا ينقطع ثوابها بانقطاع أنفاسه، واجعل ما تركه في نفوس تلاميذه شاهدًا له لا عليه، ورفعةً في درجاته يوم لا ينفع مال ولا بنون.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل مقامه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وإن كان لي من عزاءٍ بعده، فليس عزائي أن الموت سنة الله في خلقه فحسب؛ وإنما عزائي أنني كنت يومًا تلميذةً له، وأن الله أكرمني بأن مرّ هذا الرجل الكريم في طريق علمي، فأخذت عنه حرفًا، ونصيحةً، وذكرى، وأثرًا لن يموت ما بقي في القلب نبضٌ وفي الذاكرة مكان.
رحم الله أستاذي رحمةً تليق بكرم الله، وطيب ثراه، وجعل الفردوس الأعلى داره، وجمعنا به يومًا في دارٍ لا فراق فيها.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ما كنتُ أحسب أن يأتي يومٌ أكتب فيه عن أستاذي بصيغة الماضي، ولا أن تنقلب الكلمات التي كانت تخرج من فيه علمًا وحكمةً إلى ذكرى أستعيدها، ولا أن يكون عليّ أن أقول: رحم الله أستاذي، بدل أن أقول: لعلّي ألقاه في كلية دار العلوم.
إن بعض الناس لا يغيبون حين يغيبون؛ لأنهم قد أودعوا في أرواحنا شيئًا من أرواحهم، وغرسوا في عقولنا من أثرهم ما لا تقتلعُه السنون. فإذا مضوا، بقيت آثارهم تتردد فينا؛ كلمةٌ قالوها، ونصيحةٌ أسدوها، وموقفٌ لا ننساه، وفضلٌ كلما حاول القلب أن يشكره عجزت عنه العبارة.
ومن هؤلاء الذين أوجعني رحيلهم، وأثقل الفقدُ قلبي لفقدهم، أستاذي الجليل الدكتور شعبان صلاح حسين، أستاذ النحو والصرف والعَروض بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة.
عرفته منذ عام 2005، وكان يومها وكيلًا للكلية لشؤون الدراسات العليا، وتتلمذتُ على يديه حتى فرغت من مرحلة الليسانس عام 2009. ثم شاء الله، وما أجمل ما يشاؤه الله لعبده، أن يردّني إليه مرةً أخرى في عام 2011، فدرّس لنا مناهج البحث في تمهيدية الماجستير.
وما كان العلم عنده درسًا يُلقى ثم ينقضي بانقضاء ساعته؛ كان العلم عنده روحًا تُحبّب إليك العلم قبل أن تعلمك إياه.
كانت له روحٌ مرحة تُدخل الأنس إلى المحاضرة، وتفتح للعقول أبوابًا كانت تبدو موصدة، حتى كنا نخرج من مجلسه ونحن لا نشعر كيف مضى الوقت، ولا نريد له أن يمضي. وكانت كلماته، على عفويتها ودفئها، تستقر في الصدور استقرار الشيء الذي يجد له في النفس موضعًا معدًّا منذ البداية.
ولقد علّمني أستاذي أن الأستاذ قد يعلّم الطالب علمًا، وقد يعلّمه كيف يكون طالب علم؛ والأولى معرفة، والثانية أثرٌ في الإنسان.
ولم يكن لي نصيب أن أسجّل معه رسالتي للماجستير، فقد ازدحم جدوله في عام 2012 بكثرة الرسائل التي كان يشرف عليها، فحال ذلك دون أن يكون اسمه مشرفًا على رسالتي. غير أن فضل الأستاذ لا يُقاس بما يُكتب على صفحة الغلاف؛ فقد ظلّ أستاذي، وظلّ بابه مفتوحًا لي، وعلمه مبذولًا، ونصحه حاضرًا.
منذ كتابة الخطة، إلى البحث والكتابة والتبويب، وما قبل المناقشة، لم يضنّ عليّ بمعلومة، ولم يحبس عني توجيهًا، ولم يجعل من العلم ملكًا خاصًا لصاحبه، بل كان يعطيه كما يعطي الكريم من ماله: لا يرى فيما يعطيه نقصانًا، ولا ينتظر عليه جزاء.
وكم من كلمة قالها لي ما زالت محفورةً في ذاكرتي!
وكم من توجيهٍ ظننته يومًا تفصيلًا عابرًا، فإذا بي بعد السنين أعرف أنه كان من الأشياء التي تصنع في الإنسان فرقًا لا يشعر به إلا حين ينظر إلى الوراء.
كان أستاذًا، نعم، ولكنه كان شيئًا أبعد من الأستاذ.
كان أبًا من آباء العلم؛ يحب أبناءه، وينصحهم، ويأخذ بأيديهم، ويفرح أن يراهم يمضون إلى الأمام، حتى كأن نجاح تلاميذه كان بعض نجاحه، وبلوغهم بعض ما كان يرجوه لنفسه من العلم.
وهكذا يترك بعض المعلمين في تلاميذهم علمًا، ويترك بعضهم سيرةً، ويترك بعضهم قلبًا يعرف بعد الرحيل أن يدًا كانت قد امتدت إليه ذات يوم، وأن صاحبها لم يكن عابرًا في طريقه.
رحمك الله يا أستاذي.
لقد مضيتَ، وبقيت كلماتك.
مضى الجسد، وبقي العلم.
وغابت الصورة، وبقي الأثر.
وهذا هوَ عزاؤنا فيمن نحب من أهل العلم: أن الموت يأخذ أجسادهم، لكنه لا يستطيع أن يأخذ ما أودعوه في العقول والقلوب؛ فكم من حرفٍ علّمه أستاذٌ بقي حيًّا في لسان تلميذه، وكم من فكرةٍ أضاء بها عقلًا انتقلت منه إلى عقول لا يعرفها، وكم من أثرٍ طيبٍ ظل يمشي في الناس بعد أن توقف صاحبه عن المشي.
اللهم إن أستاذي قد أفضى إليك، فكن به أرحم منّا، وأكرم به منّا، واجعل قبره نورًا وسعةً وطمأنينة.
اللهم اجزه عن علمه خير الجزاء، وعن تلاميذه خير الجزاء، وعن كل حرفٍ علّمه، وكل عقلٍ أناره، وكل يدٍ أخذ بها طالبًا، وكل نصيحةٍ بقي أثرها بعده.
اللهم اجعل علمه الذي يُنتفع به صدقةً جاريةً لا ينقطع ثوابها بانقطاع أنفاسه، واجعل ما تركه في نفوس تلاميذه شاهدًا له لا عليه، ورفعةً في درجاته يوم لا ينفع مال ولا بنون.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجعل مقامه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وإن كان لي من عزاءٍ بعده، فليس عزائي أن الموت سنة الله في خلقه فحسب؛ وإنما عزائي أنني كنت يومًا تلميذةً له، وأن الله أكرمني بأن مرّ هذا الرجل الكريم في طريق علمي، فأخذت عنه حرفًا، ونصيحةً، وذكرى، وأثرًا لن يموت ما بقي في القلب نبضٌ وفي الذاكرة مكان.
رحم الله أستاذي رحمةً تليق بكرم الله، وطيب ثراه، وجعل الفردوس الأعلى داره، وجمعنا به يومًا في دارٍ لا فراق فيها.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفاءٌ متصل
مرثيات أخرى
نثر
.. ويتساقط الأحباب كأوراق الخريف ...
.. ويتساقط الأحباب كأوراق الخريف ...
..بقلب يعتصره الألم أنعى صديق...
نثر
وافرَ الجلالة تامَّ المهابة
كان أستاذُنا العلامة الدكتور شعبان صلاح رحمه الله في أعيينا، ونحن منه...
نثر
أستاذنا... هِمَّةٌ غلبت البلاء
أستاذنا الدكتور شعبان صلاح حسين… هِمَّةٌ غلبت البلاء
اجتمعت في أستاذن...