نثر

على فراق مثلِ هذا يذوب القلبُ من كَمَدٍ!

على فراق مثلِ هذا يذوب القلبُ من كَمَدٍ!
لم أرَ الدكتور، رحمه الله رحمة واسعة، كفاحا سوى مرة واحدة، وقد غالبتُ حيائي ففككتُ وَثاقي وقلت له دون أن أتعلثمَ: "أنا بحبَّك يا دكتور!"!
كان من مَيْزات التعليم المفتوح أنَّهم يسمحون لك باختيار مادة أو مادتين تدرسهما وتختبر فيهما في الفصل البَيْني، وهما فصلان يسبقان الفصلين الرئيسيَّين، وكان من تصاريف القدر أن اخترت مادة " موسيقى الشعر" في أحدهما تخفيفا وهيبةً لها؛ إذْ كنت جاهلا جهلا تاما بها وبما تعنيه، وفي ذات الوقت كنت حريصا عليها كما أنا حريص على إرث آبائي جميعِه.
بدأتُ يومها بمحاضرات جاوزت العشرين لأحد الشيوخ الأفاضل من خَدَمة العلم بما نصحني أخي التهامي وهو ممن يصغرونني سنّا ويفوقونني هِمَّةً وعلما، غير أنِّي حين بدأت الاستماع إلى أستاذنا الدكتور شعبان صلاح، رحمه الله رحمة واسعة، محاضراتِه السبع المقرَّرة آنذاك على طلبة التعليم المفتوح جبَّ كلامُه كلامَ سواه، وعلمتُ علمَ يقين لا يُداخله ريبٌ منذ أوِّل لحظة الفارقَ بين الفنَّان حين يُدرِّسك عَروض الشعر وبين الشيخ، ولكم فرحتُ بعد ذلك حين نُقِلَ إليَّ أنَّه قال في الفصل الرئيسيّ: طالب واحد هو الذي حصل على الدرجة النهائية في الفصل البينيّ لأنَّه أجاب على سؤال لم يُجِب عليه غيرُه.
ولأنَّ دراسة العَروض لا تصلح على هذا وحده؛ فقد أعانني بما كان يُجيبني - على كثرة سؤالي وتشعُّبه وتكرُّره وتواليه في أوقات مختلفة- ويصبر عليَّ أخي وشيخي الشيخ عمرو سادات، وهو أحدُ محبِّي أستاذنا الهائمين به، وهو أيضا أحد الفنانين ولو تسربل بسِربال الشيوخ، غفر الله له ورحمه.
ظلَّ كتاب أستاذنا الذي كان مُقرِّرا علينا آنذاك، والذي هو فيما أُقدِّر مُختصر من كتابه " موسيقى الشعر بين الاتِّباع والابتداع"، مرجعا أفيء إليه كلَّما استعصى عليَّ شيء، يشرَكه في ذلك، وربَّما تقدَّم عليه شيئا ما، كتابُ الدكتور النبيل محمد حماسة عبد اللطيف، رحمهما الله رحمة واسعة، ثمَّ شُغلتُ عن العَروض ظالما لنفسي غيرَ معذور، وإن كنت أُأمِّل في قادمِ أيامي جبْرَ ما كان في سالفها، غفر الله لي ورحمني وأقامني حيثُ يرضى عنِّي!
رأيتُه فعرفتُه بسيماه، ولمَّا وجدتُه مُتوجِّها إلى المرحاض انتظرته بعيدا حتى خرج، فأقبلتُ نحوه وقد فككتُ وَثاقي: " أنا بحبَّك يا دكتور!"، واللهُ يعلم أنِّي لا أقولها إلا صادقا، واللهُ يعلم أنِّي ما قلتُها له إلا صادقا، وقلبي أمرُه عجيب، يُحبَّ على عُدَواءِ الدار ما لا يُحبُّ ربَّما على قُربها، ويُحبُّ على اختلاف المَشارب ربَّما ما لا يُحبُّ على اتِّفاقها!
أسرتني نظرتُه وإقبالُه عليَّ مُبتسما يسأل عن شأني، وأمشي إلى جواره وقد شُدَّ عليَّ وَثاقي، وأُجيبه عن دراستي بأنِّني في قسم البلاغة والنقد الأدبي لا في قسم النحو والصرف والعروض الذي كان دُرَّته، فأرى الامتنان على وجهه النبيل، كأنَّما قد عرف أنِّي ما ساقني إليه غيرُ المَحبَّة!
ودَّعتُه وقلبي يتلَّفتْ، وداهمني رغما عنِّي شعورٌ بالتَّقزُّز ممن يقابلوننا بالجفاء وقد أقبلنا نحوهم بالمحبَّة، وعذرتُ مَن يُفضِّلون أهل الفنِّ والأدب على الشيوخ في لُطْفِ المَعشر وحلاوة الروح، وعجبتُ لنفسي كيف فُكَّ عنها وَثاقُها فأخبرتْ كِفاحا عن سرِّ قلبها، وقد كانت قبلُ تتخفَّى خلفَ الطِّرْسِ والقلم!
كتبها أ. محمود صدقي
وفاءٌ متصل

مرثيات أخرى