نثر

رحم الله أستاذنا الجليل، الأستاذ الدكتور شعبان صلاح

رحم الله أستاذنا الجليل، الأستاذ الدكتور شعبان صلاح
............
كان خيرَ من شرح النحو والصرف والعَروض، وكان يقف أمام السبورة مستندًا إلى عكازه، يكتب ويشرح ويفصّل، ويجيب عن كل استفسار من استفسارات طلابه، في صورةٍ تجسّد الإرادة التي لا تعرف المستحيل، والعلم الذي لا تعوقه إعاقة، والعزيمة التي تتغلب على كل ألم.
وقد أصيب أستاذنا، رحمات الله تغشاه وتغشانا، في صباه إصابةً بالغة بسبب الساقية، حسب روايته لنا أثناء شرحه مادة النحو لنا ونحن الفرقة الأولى بكلية دار العلوم جامعة القاهرة عام ١٩٩١م، حين كان يساعد والده في زراعة الأرض، فكان من أثرها بتر ساقه. لكن هذه المحنة لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية طريق آخر؛ إذ استكمل تعليمه في الأزهر الشريف، بينما تولّى أخوه الأصغر أعمال الزراعة، ليواصل هو مسيرته في طلب العلم حتى أصبح أستاذًا ينهل من علمه طلاب العلم.
ولعل من أجمل ما بقي في ذاكرتنا من مواقفه تلك الحكاية التي رواها لنا بنفسه ذات يوم، وهو واقف على عكازه يحدثنا عن رحلته مع الإعاقة والعلم والحياة.
وبينما كان يتحدث، سأله أحد الطلاب بعفوية:
يا دكتور، أنت متجوز؟
فمدّ يده إلى جيب بدلته الأنيقة، وأخرج صورةً له مع زوجته وأولاده، وقال بكل بساطة وثقة:
ومخلف كمان!
فضجّت القاعة بالضحك، لكننا لم نكن نضحك من مجرد إجابة، وإنما كنا نرى أمامنا إنسانًا انتصر على محنته، وعاش حياته كاملةً، ولم يسمح لإعاقته أن تختصره في صورة العاجز.
رحم الله أستاذنا الدكتور شعبان صلاح، فقد كان درسًا في العلم، ودرسًا في الصبر، ودرسًا في قوة الإرادة.
رحل الجسد، وبقي العلم، وبقيت المواقف، وبقيت كلماته في ذاكرة طلابه، وبقي أثره في كل من تعلم منه حرفًا أو مسألة.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجزه عن علمه وتعليمه وطلابه خير الجزاء، واجعل ما علّمه ونفع به الناس علمًا باقيًا له في قبره، وصدقةً جاريةً لا ينقطع أجرها.
كتبها أ.د. حسن رمادي نصر تلميذه
وفاءٌ متصل

مرثيات أخرى