في الشعر العربي موسيقى خفية لا تقوم على الوزن وحده، ولا على القافية وحدها، وإنما تتولد من تآلف الأصوات وتجاور المقاطع وتكرار النغم في مواضع محسوبة. ومن الظواهر التي تكشف دقة هذه الموسيقى التصريع والتقفية؛ فهما مصطلحان متقاربان في الظاهر، متمايزان في الاصطلاح، وقد شغلا العروضيين واللغويين منذ وقت مبكر.
ولعل سبب الالتباس بينهما أن كليهما يتصل بالعَروض والقافية، وأن كليهما يظهر في العلاقة بين العَروض والضرب؛ غير أن الفرق بينهما دقيق ومهم، ولا سيما عند دراسة مطالع القصائد العربية.
أولًا: التصريع
التصريع في اصطلاح العروضيين هو أن تتبع العَروضُ الضربَ في الوزن والقافية، فتتغير العَروض بما يوافق الضرب زيادةً أو نقصًا. وقد عبّر ابن رشيق القيرواني عن ذلك بقوله: «فأما التصريع فهو ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه: تنقص بنقصه، وتزيد بزيادته». 1
والعَروض هي التفعيلة الأخيرة من صدر البيت، أما الضرب فهو التفعيلة الأخيرة من عجزه. والأصل أن يكون لكل منهما أحكامه الخاصة، فإذا غيّر الشاعر العَروض لتلحق بالضرب في الوزن والقافية، كان البيت مصرَّعًا.
ويكثر التصريع في مطلع القصيدة، ولذلك كانت له وظيفة جمالية وإيقاعية خاصة؛ فهو يلفت أذن السامع منذ البداية إلى أن الكلام الذي أمامه شعر موزون مقفّى. وقد أشار ابن رشيق إلى قيمة التصريع في مطالع القصائد، وذكر أن كثيرًا من فحول الشعراء كانوا يستعملونه في مهمات قصائدهم. 2
ومن أشهر أمثلته قول امرئ القيس:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ وعِرفانِ
ورسمٍ عفتْ آياتُه منذُ أزمانِ
فقد جاءت عَروض البيت موافقةً لضربه " مفاعيلُن" وتحققت بينهما القافية، مع أن صورة العَروض المعتادة في سائر القصيدة تختلف عن الصورة التي جاءت عليها في هذا الموضع "مفاعِلُنْ؛ لأن البيت التالي:
أَتَتْ حِجَجٌ بعدِي عليها فأَصَبْحَتْ كخطِّ زَبورٍ في مَصَاحفِ رُهْبانِ
وهذا هو التصريع بمعناه العروضي الدقيق. وقد نص ابن رشيق على هذا المثال نفسه في العمدة. 3
ومن أمثلته كذلك قول امرئ القيس:
لِمَن طَلَلٌ أبصرتُه فشجاني
كخطِّ زبورٍ في عسيبٍ يماني
فقد جاءت العَروض في صدر البيت على الصورة التي وافقت الضرب في عجزه"مَفاعِلْ، تحقيقًا للتصريع، مع أن العَروض في بقية القصيدة تعود إلى صورتها الأصلية مفاعِلن. 4
فالبيت التالي :"دِيَارٌ لِهِندٍ وَالرَّبَابِ وَفَرْتَنِي * لَيَالِيَنَا بِالنَّعْفِ مِنْ بَدَلَانِ
مفاعِلُنْ مَفاعِلْ
إذن، فالتصريعُ ليس مجرد تشابه صوتي بين آخر الصدر وآخر العجز، بل هو ظاهرة عروضية تتعلق بتغيير العَروض لتوافق الضرب في الوزن والقافية للبيت الأول.
ثانيًا: التقفية
أما التقفية فهي أخص من مجرد اتفاق الكلمات في أواخرها، وأدق من أن تُفهم على أنها مجرد تكرار للقافية بين أبيات القصيدة.
وقد عرّفها ابن رشيق في العمدة بقوله إن التقفية هي أن يتساوى الجزءان من غير نقص ولا زيادة، أي أن تأتي العَروض موافقةً للضرب من غير أن تتغير العَروض لتلحق به. 5
وهنا يظهر الفرق الدقيق: في التصريع تتبع العَروض الضربَ بسبب تغيير يطرأ عليها؛ أما في التقفية فإن العَروض والضرب يتوافقان من غير ذلك التغيير.
ومن أمثلة التقفية قول امرئ القيس:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسِقطِ اللِّوى بين الدخولِ فحَوملِ
فـ«منزلِ» و«حوملِ» تتوافقان في الوزنِ والقافية "مفاعِلُنْ"، كما أن العَروض جاءت على الصورة التي توافق الضرب لبقية القصيدة، دون أن تحتاج إلى تغيير عروضي مخصوص لأجل هذه الموافقة؛ ولذلك يورد العروضيون هذا البيت مثالًا على التقفية. 6
فالبيتُ التالي:
فَتَوْضِحَ فالمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ
مفاعِلُنْ مفاعِلُنْ
ومن هنا تتضح دقة المصطلح: فليس كل اتفاق بين آخر الصدر وآخر العجز تصريعًا بالمعنى الاصطلاحي الدقيق.
فإذا جاء الاتفاق نتيجة تغيير العَروض المخصوص لتتبع الضرب في البيت الأول فقط كان تصريعًا، وإذا جاء الاتفاق من غير ذلك التغيير ، والتزم بقية القصيدة، يُعدُّ تقفيَةً.
ثالثًا: الفرق بين التصريع والتقفية
يمكن أن يبدو الفرق بين المصطلحين صغيرًا، لكنه في علم العَروض فرق جوهري.
في التصريع تكون العَروض في الأصل على هيئة معينة، ثم يغيّرها الشاعر لتوافق الضرب؛ ولذلك يقول ابن رشيق إن العَروض «تابعة لضربه»، تنقص بنقصه وتزيد بزيادته. 7
أما في التقفية فتأتي العَروض والضرب متوافقين من غير أن يكون هذا التوافق نتيجة ذلك التغيير العروضي الذي يميز التصريع. وقد لخّصت مصادر العروض الفرق بقولها إن التقفية هي أن يتساوى الجزآن من غير نقص ولا زيادة. 8
ويمكن تقريب الفرق بهذه الصورة:
التصريع:
العَروضُ ← تتغير ُلتُوافِقَ الضربَ في البيت الأول وزنًا وقافيةً.
فالأصلُ أن العَروض والضرب من كل بيت مُختلفَين في أوائل القصائد، فإن تشابهتا يُسمى تصريعًا
التقفية:
العَروضُ ← تُوافِقُ الضربَ من غير تغيير تصريعي.
وهذا هو الفارق الذي ينبغي الانتباه إليه عند استعمال المصطلحين في البحث العلمي.
رابعًا: لماذا يخلط الباحثون بينهما؟
يرجع الخلط بين التصريع والتقفية إلى عدة أسباب، أولها أن المصطلحين يلتقيان في مجال القافية والموسيقى الشعرية، وثانيها أن كليهما يظهر في العلاقة بين العَروض والضرب.
ويزيد الأمر التباسًا أن بعض الشروح الحديثة تستعمل «التقفية» بمعنى أوسع، فتطلقها على مجرد موافقة القافية بين شطري البيت أو على انتظام القافية في القصيدة، بينما حافظت كتب العروض القديمة على تمييز أكثر دقة بين المصطلحين. وتكشف نصوص ابن رشيق أن باب «التقفية والتصريع» نفسه كان من الأبواب التي «تشكل على كثير من الناس علمه». 8
كما أن التصريع والتقفية يشتركان في عنصر ظاهر يسهل إدراكه بالأذن، وهو اتفاق أواخر الشطرين، فيميل القارئ إلى تسميتهما باسم واحد. غير أن العروضي لا يكتفي بالسماع، بل ينظر إلى التفعيلة، والعَروض، والضرب، وما طرأ على العَروض من زيادة أو نقص.
ومن هنا ينبغي للباحث أن يفرق بين المظهر الصوتي للظاهرة وحكمها العروضي؛ فقد يتشابه المظهر، بينما يختلف المصطلح.
خامسًا: القيمة الجمالية للتصريع والتقفية
لا تقتصر أهمية التصريع والتقفية على الجانب التقني في علم العَروض؛ فلهما أثر واضح في جمال القصيدة وإيقاعها.
فالتصريع في مطلع القصيدة يمنح البيت الأول قوة موسيقية خاصة، ويجعل السامع أكثر انتباهًا إلى النغم الشعري. ولذلك كان الشعراء يلجؤون إليه في مطالع عدد كبير من قصائدهم، ولا سيما في القصائد التي أرادوا أن يتركوا مطلعها أثرًا قويًا في السامع. وقد ذكر ابن رشيق أن كثيرًا من فحول الشعراء جعلوا التصريع في «مهمات القصائد». 9
أما التقفية، فتمنح العلاقة بين شطري البيت انسجامًا صوتيًا هادئًا، من غير أن تستلزم ذلك التغيير العروضي الذي يقوم عليه التصريع. وهكذا يعمل كلاهما على إثراء موسيقى الشعر، لكن بآليتين مختلفتين.
الخُلاصة
التصريع والتقفية مصطلحان متقاربان، لكنهما ليسا مترادفَين.
التصريع هو أن تتبع العَروض الضرب في الوزن والقافية، مع ما يقتضيه ذلك من زيادة أو نقص في العَروض، ويكثر وقوعه في مطالع القصائد.
أما التقفيةُ فهي موافقة العَروض للضرب من غير ذلك التغيير الذي يميز التصريع.
ولهذا فإن العبارة الأدق في التمييز بينهما هي:
في التصريع تتغير العَروض لتوافق الضرب، أما في التقفية فتوافُق العَروضِ الضربَ من غير تغيير تصريعي.
ومن هنا يتبين أن التصريع ليس مجرد تكرار للقافية، وأن التقفية ليست مجرد تسمية أخرى للتصريع؛ وإنما هما صورتان دقيقتان من صور انتظام الموسيقى الشعرية، تكشفان مقدار العناية التي أوْلَتْها العربيةُ لإيقاعِ الشعر وبنائه.
ملاحظةٌ مِنهجيَّة: صُغت المقال بأسلوب أدبي، لكن التعريفات الاصطلاحية الأساسية فيه مبنية على ابن رشيق والتبريزي ومباحث العروض والقافية.
المراجع
ابن رشيق القيرواني، أبو علي الحسن، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الخامسة، 1401هـ/1981م، ج1، ص173 وما بعدها.
الخطيب التبريزي، أبو زكريا يحيى بن علي، الكافي في العروض والقوافي، تحقيق الحساني حسن عبد الله، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1994م. وقد أُحيل في الدراسات العروضية الحديثة إلى موضع حديث التبريزي عن التصريع في ص20–21.
قُدامة بن جعفر، نقد الشعر، وهو من المصادر القديمة الأساسية في دراسة بناء القصيدة ومصطلحاتها النقدية والعروضية، وقد أحالت إليه الدراسات التي تناولت التقفية والتصريع.
ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة، من المصادر التراثية التي تناولت مسائل تتصل بالفصاحة والإيقاع والقافية، وترد الإحالة إليه ضمن الدراسات المقارنة لمصطلحات التصريع والتقفية.
حسني عبد الجليل يوسف، علم القافية عند القدماء والمحدثين: دراسة نظرية تطبيقية، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2009م. وقد استُفيد منه في الدراسات الحديثة عند تناول مفهوم التصريع وعلاقته بالقافية.

التعليقات والآراء
شارك برأيك وانضم إلى الحوار
سجّل دخولك لإضافة تعليق أو الرد، أو أنشئ حسابًا جديدًا للتمتع بمزايا حفظ المشاهدة والدورات والشهادات.
جزاكم الله خيرا